الصفحة 38 من 133

ألم تر حال المشركين في الجاهلية الأولى كيف يتخلّون عن آلهتهم ويَدْعُون الله مخلصين له الدين وذلك إذا ركبوا في الفلك ، واضطربت بهم الأمواج ، كما في قوله تعالى::

( حَتَّى إذا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) (1) .

والمشركون ما كانوا يفزعون لآلهتهم عند الشدائد ، بل كانوا يلجئون إلى الله ، إذ النفوس جُبلت على الالتجاء لله وحده عند حصول المكروه ؛ إلا ما يكون من بعض مشركي زماننا ! فإن ملجأهم ومفزعهم (الولي ) أو (القطب) ، فأبو جهل أفقهُ من هؤلاء!!

تأمّل قول الله تبارك وتعالى:

( وَإذا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) (2) .

قال ابن القيم - رحمه الله -: التوحيد مَفْزَعُ أعدائه وأوليائه ؛ فأما أعداؤه فينجيهم من كُرب الدنيا وشدائدها:

( فَإذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إلى الْبَرِّ إذا هُمْ يُشْرِكُونَ ) (3) ، وأما أولياؤه فينجيهم به من كربات الدنيا والآخرة وشدائدها ، ولذلك فزع إليه يونس فنجّاه الله من تلك الظلمات ، وفزع إليه أتباع الرسل فَنَجَوا بِهِ (4) مما عُذِّبَ به المشركون في الدنيا ، وما أُعِدّ لهم في الآخرة ، ولما فزع إليه فرعون عند معاينة الهلاك وإدراك الغرق له لم ينفعه ؛ لأن الإيمان عند المعاينة لا يُقبل . هذه سنة الله في عباده . فما دُفِعَتْ شدائد الدنيا بمثل التوحيد (5) .

(1) - يونس: 22

(2) - لقمان: 32

(3) - العنكبوت: 65

(4) - أي بالتوحيد .

(5) - الفوائد (ص 79 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت