وكفَّنوها وصلوا عليها صلاة العصر، وذهبوا بها إلى المقبرة، ويوم وصل إلى المقبرة قال: خذ ابنتك -يقول زميله- وضَعْها في لحدها، فأخذها ودموعه تقطر على كفنها.
وليس الذي يجرى من العين ماؤها *** ولكنها روح تسيل وتقطر
ما كان منه إلا أن وضعها في القبر، ويوم وضعها في القبر قال كلامًا أبكى جميع من حضر الدفن، قال: يا أيها الناس أنا لا أدفن ابنتي، ولكني أدفن النور الذي أراني النور، هذه البنت أخرجتني من الظلمات إلى النور بإذن الله -سبحانه وبحمده-، فأسأل الله أن يجمعني وإياها في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
أرأيتم أيها الأحبة يوم يعود العبد إلى الله فيجد الله -سبحانه وتعالى- توَّابًا رحيمًا.
يا أيها المذنبون -وكلنا ذوو خطأ- المولود إذا ولد أُذِّن في أذنه اليمنى، وإذا مات صُلِّيَ عليه، فكأن الحياة ما بين الأذان إلى الصلاة، ولا إله إلا الله! ما أقصرها من حياة! إن للموت أَخْذَة تسبق اللمح بالبصر، إياكم والتسويف؛ فإن سوف جندي من جنود إبليس.
أعماركم تمضى بسوف وربما *** لا تغنمون سوى عسى ولعلما
فاقضوا مشاربكم عجالى إنما *** أعماركم سِفْر من الأسفار
وتراكضوا خيل الشباب وبادروا *** أن تُسْترد فإنهن عوارِ
اذكروا أن اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل، وإذا كانت نظرة الخلق إليك تمنعك من المعصية فإن الله أولى بذلك، أَصْلح ما بينك وبين الله، وتقرَّب إليه بطاعته؛ عسى أن تكون ممن يبدل الله سيئاتهم حسنات؛ فإنك عما قريب تُحمل على أكتاف الرجال، ونفسك إن كانت صالحة تقول: قدموني قدموني، وإن كانت طالحة تصيح بصرخات تقض منها المضاجع: يا ويلها، أين تذهبون بها؟
أحبتي في الله أسعد ساعة في العمر وأصدق لحظة في الحياة تلك الساعة التي يقف العبد فيها مع نفسه محاسبًا، وقفة العتاب، وقفة الملامة، إنها ساعة المخطئين