أبناؤنا كيف نربيهم؟ ربيناهم تربية مادية، وهيَّأناهم تهيئة مادية، فجعل الواحد همَّه في سيارة وفي ثوب وفي زخرف من زخارف الدنيا وفي قصر، ونسي قصور الجنة، وأنهار الجنة، ونعيم الجنة، أشغلناه بهذا عن ذاك، ربيناه تربية البهائم، سمَّنَّاه كما تُسمَّن العجول، ثم ماذا يكون؟ هل هذه هي المسئولية التي وضعها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في عنقك"كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ""ما من راع استرعاه الله رعية فبات غاشا لهم إلا حرم الله عليه رائحة الجنة"هيَّأنا لهم كل مادة، لكنا لم نُرَبِّي أرواحهم، ثم نرجو نجاتهم، فوالله ما مثلنا إلا كقول القائل:
ألقاه في الماء مكتوفًا وقال له *** إياك إياك أن تبتل بالماء
أما أبناء سلفنا فكيف كانوا؟ سأضع لكم نموذجًا، كيف كانوا يربونهم؟ وكيف كانوا يتعاملون معهم؟ وكيف تربوا فأصبح الطفل منهم كالرجل منا، بل كالعابد الزاهد منا. هاهو [خيثمة بن الحارث] -عليه رضوان الله ورحمته- ما كان منه يوم أن دعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للنُفرة إلى غزوة بدر إلا أن جاء إلى ابن له اسمه [سعد] ، ابن صغير، وكان معه من النساء الكثير، ومعه من البنات والأخوات يعولهن هذا الرجل الكبير [خيثمة بن الحارث] فقال لابنه [سعد] : يا بني تعلم نساءنا، وليس لهن من يحميهن، وأريد أن تبقى معهن وأذهب لأجاهد في سبيل الله جل وعلا، قال: يا أبتاه للنساء رب يحميهن، والله ما تطمع نفسي في هذه الدنيا بشيء دونك، لكنها الجنة يا أبتاه، والله لو كان غير الجنة لآثرتك به، وانطلق يجاهد في سبيل الله، وجلس الأب الكبير مع هؤلاء النساء، وقُتِل شهيدًا -بإذن الله- في سبيل الله هذا الطفل، يوم جاء الخبر أباه في اليوم الثاني قالوا له: لقد قتل نحتسبه شهيدًا عند الله -جل وعلا- فما كان منه إلا أن قال: أواه أواه، والله لقد فاز بها دوني، والله لقد كان أعقل مني، لقد رأيته البارحة يسرح ويمرح في أنهار الجنة وثمارها وأزهارها، ويقول: يا أبتاه إلْحَقْ بنا، فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا.