مرَّ على أنفه فأطاره بيده. فيا أيها المخطئون إياكم ومحقرات الذنوب، فإن لها من الله طالبا، وإياكم ومحقرات الذنوب فإنها تجتمع على الرجل فتهلكه.
خلِّ الذنوب صغيرها *** وكبيرها ذاك التُّقَى
واصنع كماشٍ فوق أرض *** الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة *** إن الجبال من الحصى
يا أيها المخطئون -وكلنا ذو خطأ- أفيقوا وأقلعوا عن ذنوبكم، واعزموا على ألا تعودوا، واندموا ندمًا يورث العين دمعًا، والقلب خشية، وردوا الحقوق إلى أهلها قبل ألا يكون درهم ولا دينار، وإنما التعامل يكون بالحسنات والسيئات، وعندها يعضُّ الظالم على يديه حتى يأكلها ولا ينفعه ندم، ولا تنفعه حسرة، لو كان الندم هنا لنفعه، ولو كانت الحسرة هنا لنفعه، لو قال: يا رب في الدنيا لقال الله: لبيك وسعديك يا عبدى، أشهدكم أني قد غفرت له.
وتذكر يا من أخطأ -وكلنا ذو خطأ- أننا على الله قادمون، وإليه راجعون، وبين يديه مسؤولون، فمنا من يقدم عليه كالرجل المسافر الغريب القادم على أهله، تراه فرحًا، وتراه مسرورًا، يوم يلقى أحبته وأهله وأبناءه وأصحابه وخِلاَّنه، ومنا من يقدم على الله -عز وجل- قدوم العبد الآبق الشارد عن سيده، تجده ذليلا حسيرًا وَجِلا خائفًا كسيرًا مهانًا (أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم من يَاتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) شتان بين الفريقين، شتان بين مُشرِّق ومُغرِّب (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) . يا من قسا قلبه، ويا من صدت نفسه فأمرته بالسوء والفحشاء، هلا زرت المقابر، هلا ذهبت وأحييت هذه السنة التي كادت تموت بيننا، هل ذهبت إلى المقابر فزرتها ودعوت الله -عز وجل- لهم لترى فيها الآباء والأمهات، لترى فيها الإخوان والأخوات، لترى فيها الأحباب والأصحاب والخلان قد توُسَّدُوا التراب، وارتُهِنوا بالأعمال، ما كأنهم فرحوا مع من فرح، ولا كأنهم ضحكوا مع من ضحك، ولا كأنهم تمتعوا مع من تمتع، قد حِيل بينهم وبين ما يشتهون، ثم اعلم أنك