فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 29

ولم يغسلها بعد، فالقول لا ينظف الثياب، وادِّعاء التوبة لا ينظف القلوب، والنفس البشرية كالطفل إن أهملتها ضاعت وضلت وخسرت وتاهت، وإن هذبتها وأدَّبتها صلحت واستقامت، بل هي كالبعير إن علفته وغذيته سكن وثبت، وإن تركته صدَّ وندَّ وهرب، والنفس بطبيعتها تميل إلى الشهوات، وتميل إلى الملذات، ووالله لا فلاح لنفس ولا نجاح ولا فوز إلا بالعودة إلى بارئها -سبحانه وبحمده- القائل: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا)

والنفس كالطفل إن تهمله شب على *** حب الرضاع وإن تفطمْه ينفطمِ

خالف هواك إذا دعاك لريبة *** فلا خير في مخالفة الهوى

حتى متى لا ترعوي يا صاحبي ***حتى متى وإلى متى وإلى متى

هاهو أحد صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- [أبو محجن الثقفي] ممن أسلم مع ثقيف حين أسلمت ورأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولكنه تمادى في شرب الخمر، تلك الكبيرة من الكبائر، وما زال يُجلد بعد عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلما أكثر من ذلك سجنوه وأوثقوه، فلما كان يوم القادسية رأى أن المشركين قد أصابوا من المسلمين، فأرسل لامرأة [سعد بن أبي وقاص] ، وقد كان مسجونًا في بيت سعد، قائلًا: يا بنت آل حفصة هل لك إلى خير؟ قالت: وما ذاك؟ قال: تخُلِّي عني، وتعيرنني البلقاء -فرس [سعد بن أبي وقاص] - فأقاتل مع المسلمين، ولله عليّ إن سلَّمَني الله أن أرجع فأضع رجلي في القيد كما كنت، قالت: ما أنا وذاك، فرجع يرسف في قيوده، نفسه مشتاقة للجهاد في سبيل الله، ويرى أن المسلمين يُنال منهم ما ينال، فيقول:

كفى حزنًا أن تُرديَ الخيل بالقنا *** وأترك مشدودًا علىَّ وثاقيا

إذا قمت عن نار الحديد وغُلِّقت *** مصاريع دوني قد تصمُّ المناديا

وقد كنت ذا مال كثير وأخوة *** فقد تركوني واحدًا لا أخَ ليا

فلله عهد لا أقيس بعهده *** لأن فرجت ألا أزور الحوانيا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت