إن المشيئة الإلهية ليست رمزًا للفوضى، وعندما يقول الله: (مَن يُضللِ اللهُ فما له من هادٍ. ومَن يَهدِ اللهُ فما له من مُضِلٍّ) (الزمر: 36،37) فالأمر كما شرحنا وكما شرحته آيات أخرى مثل (مَن كانَ في الضلالةِ فليَمدُدْ لهُ الرحمنُ مَدًّا) (مريم: 75) أي يَزِيده حيرة وعمًى فيستحيل أن يعينه أو يُنقذه أحد: (ويَزيد اللهُ الذين اهتَدَوا هدًى) (مريم: 76) فيستحيل أن يضرهم أو يَستَرِد بهم أحد بعد هذا العَوْن الأعلى! حيث يكون التكليف الإلهي تكون الإرادة الحرة، وتكون المسئولية الخلُقية والجنائية في الدنيا والآخرة!
فإذا انعدمت الإرادة لسبب ما فلا مسئولية البتَّةَ، وكيف يُكلَّف الإنسان بما لا يُطيق والله ـ سبحانه ـ يقول: (لا يُكلَّف اللهُ نفسًا إلا وُسْعَها لها ما كَسَبَتْ وعليها ما اكتسَبَتْ) (البقرة: 286) .
قال لي أحدهم: كيف يكون للإنسان اختيارٌ وإرادةُ الله نافذةٌ في خلقه جميعًا؟
قلت: إن الله فاوَت بين خلْقِه، فهناك فارق بين الجدار والحمار والإنسان! الجدار لا يحس، والحمار لا يعقل، والإنسان يحس ويعقل، وله مَيْزة في تكوينه تجعل له معاملة أخرى غير معاملة الجدار والحمار!
إن معاملتي لسائق السيارة غير معاملتي للسيارة نفسها، الفارق واسع بين القائد والمِقوَد والراكب والمركوب، والمساواة بينهما في التكليف حمق.
وذكر لي آخر قوله تعالى: (فمَن يُرِد اللهُ أن يَهدِيَه يَشرَحْ صدرَه للإسلامِ ومَن يُرِدْ أن يُضِلَّهُ يَجعَلْ صدرَه ضَيِّقًا حَرَجًا كأنَّما يَصعَّدُ في السماءِ كذلك يَجعلُ اللهُ الرجسَ على الذين لا يؤمنون) (الأنعام: 125) .
وقال: أليست هذه الآية نصًّا في سَبْق الهداية الإلهية والإضلال الإلهي؟
قلت له: أنت واهم، تدبَّرْ ختام الآية الكريمة تجدْ مفتاح المعنى الذي غاب عنك: (يَجعلُ الله الرجسَ على الذين لا يُؤمِنُونَ) .