« فلهذا كان أهل العلم والسنة لا يكفرون من خالفهم ، وإن كان ذلك المخالف يكفرهم ، لأن الكفر حكم شرعي فليس للإنسان أن يعاقب بمثله كمن كذب عليك وزنى بأهلك ليس لك أن تكذب عليه وتزني بأهله ؛ لأن الكذب والزنا حرام لحق الله تعالى ، وكذلك التكفير حق لله فلا يكفر إلا من كفره الله ورسوله ، وأيضًا فإن تكفير الشخص المعين وجواز قتله موقوف على أن تبلغه الحجة النبوية التي يكفر من خالفها ، وإلا فليس كل من جهل شيء من الدين يكفر ، ولهذا لما استحل طائفة من الصحابة والتابعين كقدامة بن مظعون وأصحابه شرب الخمر وظنوا أنها تباح لمن عمل صالحا على ما فهموه من آية المائدة (1) واتفق علماء الصحابة كعمر وعلي وغيرهما على أنهم يستتابون فإن أصروا على الاستحلال ابتداء لأجل الشبهة التي عرضت لهم حتى يتبين لهم الحق وإذا أصروا على الجحود كفروا ، وقد ثبت في الصحيحين حديث الذي قال لأهله: إذا أنا مت فاسحقوني ثم ذروني في اليم …
فهذا اعتقد أنه إذا فعل ذلك لا يقدر الله على إعادته وأنه لا يعيده أو جوز ذلك وكلاهما كفر لكن كان جاهلًا لم يتبين له الحق بيانًا يكفر بمخالفته فغفر الله له ؛ ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية من النفاة الذين نفوا أن الله تعالى فوق العرش لما وقعت محنتهم: أنا لو وافقتكم كنت كافرًا لأني أعلم أن قولكم كفر وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال وكان هذا الخطاب لعلماءهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم » (2) .
(1) قوله تعالى: { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين } الآية 93 .
(2) الرد على البكري ص 258-260 المطبعة السلفية بمصر .