قال رضي الله عنه: (إن الله نظر في قلوب العباد فاختار محمدًا، فبعثه برسالته ثم نظر في قلوب العباد فاختار له أصحابًا، فجعلهم أنصار دينه ووزراء نبيه، فما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيئًا فهو عند الله سيء) [1] . فهذا هو الأثر بتمامه رواه أحمد.
وللإجابة عليه نقول: (أل) في كلمة المسلمون إما أن تكون لمطلق الجنس، وإما أن تكون للعهد، أو تكون للاستغراق، فهذه ثلاث حالات تحتملها (أل) في هذا الأثر.
فإن قلنا بأنها لمطلق الجنس فهذا مناقض لقوله صلى الله عليه وسلم (ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة) ، والمراد بالأمة هنا أمة الإجابة، وعلى كلام ابن مسعود رضي الله عنه يلزم أن لا تحصل هذه الفرق، بل لا يلزم أن تكون هناك فرقة في النار.
وكذلك بعض المسلمين يرى شيئًا حسنًا وبعضهم يراه قبيحًا، فيلزم أن لا يتميز الحسن من القبيح، كما هو الحال في أكثر البدع وذلك لاختلاف العقول والأهواء والآراء، وعلى ذلك لا يمكن أن تكون (الألف واللام) في المسلمين لمطلق الجنس لأنه يناقض الحديث الصحيح (ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة) ، ووجه المناقضة كما ذكرنا أن الأثر الأول يفيد أن كل مسلم لا يخطيء لأنه يرى أن ما ذهب إليه حسن، فلا يكون في النار، وحديث الافتراق نقيض ذلك.
أما كونها للاستغراق أي عموم المسلمين، فيدخل في ذلك أهل الاجتهاد، والمقلدة، وهذا لا يمكن لأن تعريف الإجماع هو إجماع أهل العلم.
إذًا فما المراد هنا (بالألف واللام) ؟ نقول: إما أن تكون لنوع خاص من المسلمين، وهم الصحابة رضي الله عنهم فقط، وعليه فالمراد بهذا الأثر إجماع الصحابة واتفاقهم على أمر، ويدل على ذلك سياق الأثر (..ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله عليه وسلم فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد..) .
(1) رواه أحمد (1/379) ، والطيالسي، ص23.