فالحاصل أن قوله صلى الله عليه وسلم المذكور ليس على عمومه، بل هو عام مخصوص. قال الزرقاني في شرح الموطاء عند قول عمر رضي الله عنه {نِعْمَتْ الْبِدْعَةُ هَذِهِ} : وصفها بنعمتْ، لأن أصل ما فعله سنة وإنما البدعة المذمومة خلاف السنة. وقال ابن عمر في صلاة الضحى: {نِعْمَتْ الْبِدْعَةُ} ، وقال تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّه} . وأما ابتداع الأشياء من عمل الدنيا فمباح. قال ابن عبد البر: وهذا تصريح منه بأنه أول من جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد، لأن البدعة ما ابتدأ بفعلها المبتدع ولم يتقدمه غيره، فابتدعه عمرُ، وتابعه الصحابة والناس إلى هَلُمَّ جَرَّا، وهذا يبين صحة القول بالرأي والإجتهاد إنتهى. فسماها بدعةً لأنه صلى الله عليه وسلم لم يَسُنّ لها الإجتماع ولا كان في زمن الصديق. وهي لغة ما أحدث على عير مثال سبق. وتطلق شرعا على مقابل السنة، وهي ما لم يكن في عهده صلى الله عليه وسلم. ثم تنقسم إلى الأقسام الخمسة. وحديث {كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ} عام مخصوص، وقد رغّب فيها عمر بقوله: {نِعْمَتْ الْبِدْعَةُ} ، وهي كلمة تجمع المحاسن كلها كما أن بئس تجمع المساوي كلها، وقد قال صلى الله عليه وسلم: {اقتَدُوْا باللَذَيْنِ مِنْ بَعْدِي، أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ} . وإذا أجمع الصحابة على ذلك مع عمر زال عنه اسم البدعة. انتهى ما قاله الزرقاني.