قلت: قال ابن بطال: فأما قول المعتزلة؛ - أي تفسيره بالاستيلاء -، فإنه فاسد لأنه لم يزل قاهرًا غالبًا مستوليًا, وقوله ثم استوى يقتضي افتتاح هذا الوصف بعد أن لم يكن, ولازم تأويلهم أنه كان مغالبًا فيه؛ فاستوى عليه بقهر من غالبه, وهذا منتف عن الله سبحانه.
وأما قول المجسمة ففاسد أيضًا، لأن الاستقرار من صفات الأجسام, ويلزم منه الحلول والتناهي, وهو محال في حق الله تعالى ولائق بالمخلوقات، لقوله تعالى: {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ} ، وقوله: {لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ} . قال: وأما تفسير استوى علا؛ فهو صحيح وهو المذهب الحق, وقول أهل السنة؛ لأن الله سبحانه وصف نفسه بالعلي وقال: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} ، وهي صفة من صفات الذات.
وقال ابن حجر رحمه الله: وقد نقل أبو إسماعيل الهروي في كتاب"الفاروق"بسنده إلى داود بن علي بن خلف قال: كنا عند أبي عبد الله بن الأعرابي يعني محمد بن زياد اللغوي فقال له رجل: {الرحمنُ عَلى العَرش استوى} فقال: هو على العرش كما أخبر قال: يا أبا عبد الله إنما معناه استولى، فقال: اسكت لا يقال استولى على الشيء إلا أن يكون له مضاد.
ومن طريق محمد بن أحمد بن النضر الأزدي سمعت ابن الأعرابي يقول: أرادني أحمد بن أبي داود أن أجد له في لغة العرب {الرحمنُ عَلى العَرش استوى} بمعنى استولى فقلت: والله ما أصبت هذا. وقال غيره: لو كان بمعنى استولى لم يختص بالعرش، لأنه غالب على جميع المخلوقات. ونقل محي السنة البغوي في تفسيره عن ابن عباس وأكثر المفسرين أن معناه ارتفع (1) .
(1) فتح الباري" (13/418) ."