قلت: قال ابن القيم رحمه الله: فإن قيل إنما ذم من قلد الكفار وآباءه الذين لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون, ولم يذم من قلد العلماء المهتدين بل قد أمر بسؤال أهل الذكر؛ وهم أهل العلم وذلك تقليدًا لهم، فقال تعالى: { فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } [النحل:43] ، وهذا أمر لمن لا يعلم بتقليد من يعلم.
فالجواب: أنه سبحانه ذم من أعرض عما أنزله إلى تقليد الآباء, وهذا القدر من التقليد هو مما اتفق السلف والأئمة الأربعة على ذمه وتحريمه, وأما تقليد من بذل جهده في اتباع ما أنزل الله وخفي عليه بعضه فقلد فيه من هو أعلم منه؛ فهذا محمود غير مذموم ومأجور غير مأزور (1) .
وقال ابن حجر رحمه الله: وقرأت في جزء من كلام شيخ شيخنا الحافظ صلاح الدين العلائي ما ملخصه: أن هذه المسألة مما تناقضت فيها المذاهب وتباينت بين مفرط ومفرِّط ومتوسط، فالطرف الأول قول من قال: يكفي التقليد المحض في إثبات وجود الله تعالى ونفي الشريك عنه, وممن نسب إليه إطلاق ذلك عبيد الله بن الحسن العنبري وجماعة من الحنابلة والظاهرية, ومنهم من بالغ فحرم النظر في الأدلة واستند إلى ما ثبت عن الأئمة الكبار من ذم الكلام, والطرف الثاني قول من وقف صحة إيمان كل أحد على معرفة الأدلة من علم الكلام، ونسب ذلك لأبي إسحاق الإسفراييني, وقال الغزالي: أسرفت طائفة فكفروا عوام المسلمين وزعموا أن من لم يعرف العقائد الشرعية بالأدلة التي حرروها فهو كافر؛ فضيقوا رحمة الله الواسعة وجعلوا الجنة مختصة بشرذمة يسيرة من المتكلمين, وذكر نحوه أبو المظفر بن السمعاني وأطال في الرد على قائله, ونقل عن أكثر أئمة الفتوى أنهم قالوا: لا يجوز أن تكلف العوام اعتقاد الأصول بدلائلها لأن في ذلك من المشقة أشد من المشقة في تعلم الفروع الفقهية (2) .
5-الأخذ بظواهر الكتاب والسنة كفر في نظر سعيد فودة:
(1) إعلام الموقعين" (2/188) ."
(2) فتح الباري" (13/362) ."