ولذلك قال الرازي مقولته المشهورة: إذا تعارضت الأدلة السمعية والعقلية أو السمع والعقل أو النقل والعقل أو الظواهر النقلية والقواطع العقلية أو نحو ذلك من العبارات؛ فإما أن يجمع بينهما وهو محال لأنه جمع بين النقيضين, وإما أن يردا جميعًا, وإما أن يقدم السمع وهو محال، لأن العقل أصل النقل؛ فلو قدمناه عليه كان ذلك قدحًا في العقل الذي هو أصل النقل, والقدح في أصل الشيء قدح فيه؛ فكان تقديم النقل قدحًا في النقل والعقل جميعًا فوجب تقديم العقل ثم النقل إما أن يتأول وإما أن يفوض.
قلت: الاستناد إلى طاغوت العقل وجعله حاكمًا على الشرع قول على الله بغير علم ورد لأحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحجة أنها ليست من القطعيات, وأنها آحاد, وقد دخل شر عظيم على الأمة من جعل العقل مقياسًا وحاكمًا لما ورد في النقل.
قال صاحب"الجوهرة":
وكل نص أوهم التشبيها ... أوِّله أو فوّض ورم تنزيها
وهذا معنى ما ذكره الرازي في مقولته المتقدمة.
يقول سعيد فودة في كتابه"النقد" (ص30) : ولكن العقائد اشترط فيها كونها قطعية لما لها من محل كبير في الدين, ولكونها أصولًا يقوم الدين عليها وزيادة شرط القطع في العقائد لا يستلزم عدم الأخذ من الله تعالى، لأن القطع يتحقق أيضًا في المنقول من الشرائع, ولكن اشترط كون المأخوذ منه هو الله أو الرسول لكي يعتبر تدينًا هو إبطال لاعتبار مجرد العقل في التدين كما هو معلوم في أصول الدين.
وقال في"تهذيب شرح السنوسية" (ص44) : عدد المعاني سبعة لا أكثر لأن الدليل القطعي إنما دل على هذه السبعة ... ثم قال بعد كلام: ولم يرد في الكتاب والسنة ما يدل على ماعدا هذه الصفات دلالة قطعية, والأصل أن نتمسك بالدليل القطعي خصوصًا فيما يتعلق بذات الله تعالى وصفاته, وأما ما ورد من نسبة الوجه واليد والعين إلى الله تعالى فراجع إلى ما ذكرناه من الصفات السبعة ولا يزيد عليها.