ورأينا أصحاب الحديث قديمًا وحديثًا هم الذين رحلوا في هذه الآثار وطلبوها، فأخذوا عن معادنها وحفظوها، واغتبطوا بها ودعوا إلى اتباعها، وعابوا من خالفهم، وكثرت عندهم وفي أيديهم، حتى اشتهروا بها كما يشتهر أصحاب الحرف والصناعات بصناعاتهم وحرفهم، ثم رأينا قومًا انسلخوا من حفظها ومعرفتها، وتنكبوا عن اتباع صحيحها وشهيرها، وغنوا عن صحبة أهلها، وطعنوا فيها وفيهم، وزهدوا الناس في حقها، وضربوا لها ولأهلها أسوء الأمثال، ولقبوهم أقبح الألقاب، فسموهم نواصب أو مشبهة وحشوية أو مجسمة، فعلمنا بهذه الدلائل الظاهرة والشواهد القائمة أن أولئك أحق بها من سائر الفرق (1) .
وقفة:
قال فودة في"الموقف" (ص41) : إن أكثر الخلافات الواقعة في علم الكلام لا يبلغ مبلغ إكفار المخالف.
قلت: وهذا من تناقضه؛ فإليك بعض الأمثلة من كتبه فيها التصريح بإكفار المخالف.
قال في"السنوسية" (ص60) : فالإجماع واقع على كفر من نفى المعنوية - أي من الصفات - أما المعاني فلا.
وقال في"السنوسية"أيضًا (ص62) : قال البيجوري: فليس الله عن يمين العرش ولا عن شماله ولا أمامه ولا خلفه ولا فوقه ولا تحته؛ فليحذر كل الحذر مما يعتقده العامة من أن الله تعالى فوق العامة، لكن الصحيح أن معتقد الجهة لا يكفر كما قاله ابن عبد السلام, وقيده النووي بأن يكون من العامة. ثم نقل كلامًا للعز. ثم قال سعيد: وظاهره أن التقييد في حق العامة من العز وليس من النووي وإنما النووي تبعه.
وقال كذلك في"السنوسية" (ص122) : إن من اعتقد أن تلك الأسباب تؤثر في ما قارنها بطبع أو علة فلا خلاف في كفره.
وكم في كتبه من نبز علماء السنة والحنابلة خاصة, وأخصهم شيخ الإسلام بالتجسيم والتشبيه؛ والتي تساوي الكفر عنده.
تقديس العقل وتقديمه على النقل
(1) مختصر الصواعق" (ص429) ."