الصفحة 3 من 10

هو السؤال الذي يطرحه كاتب المخطوط وكأنه كان يدعو إلى اللاتتلمذ إلاّ على يد كِتَاب، لكنه لم يفلح فلم يجد أخيرا سوى سبيلا واحدا وهو أن يحرق كتبه، فعل ذلك أبوحيان التوحيدي، صحيح أنه لم يكن ذلك هو السبب المباشر، صحيح ذلك، صحيح أن هذه المحرقة لم تكن معنيّة بالكتابة وبالشفاهية بصورة مباشرة، نقول إن ذلك صحيح لكننا نقول إن هناك مفهوما أصح، ذلك المفهوم الغائب، مفهوم عقلية شفاهية تنزع إلى استحضار قيمٍ قد ولّت، قيم لا تستطيع الصمود إزاء عقل كتابي، العقلية الأولى الشفاهية تجلّ من شأن القدماء كثيرًا والعقلية الثانية"أبوحيان التوحيدي"عقلية كتابية لا ترزح لذلك، ولأن أبا حيان التوحيدي مجدِّد ولأنه يفكر ضمن نسق بصري لم يُقدّر ولم يكن له ولكتبه أية قيمة، لذا لم يجد أبوحيان في النهاية سوى أن يحمل كبريتًا فيشعل النار في كتبه، مؤكّدًا أن دوره جاء مبكرًا فما زالت الشفاهية هي المسيطرة. شيئا وشيئا بدأت الشفاهية"الكتاب الصوتي"تتنحى مفسحة المجال للكتاب المخطوط.

إن الخطاب المكتوب منفصل عن مؤلفه كما يقول أولسن ولا يمكن تحدي المؤلف لأنه لا يمكن الوصول إليه، فالتحدي قائم في الكتاب الصوتي إذ يشترط وجود صاحب الكتاب الصوتي مع متلقيه، لايمكن إذن الوصول إلى المؤلف في أي كتاب، ويظل الكتاب المخطوط ينقل ما يريده، حتى ولو فندت أفكاره ودمرت يظل ناقلا نفس المعرفة. إننا بمجرد أن نقرأ كتابا نستحضر المعرفة التي أرادها مؤلفها، فالنصوص المكتوبة عصية بطبيعتها، لذلك فالكتابة في نظر أفلاطون غير إنسانية، تدعي أنها تؤسس خارج العقل ما لا يمكن في الواقع أن يكون إلا داخله ذلك أن الكتابة شيء، نتاج مصنوع ، أما سقراط فيرى أن الكتابة تدمر الذاكرة فالذي يستخدمها سيصبح كثير النسيان، سيعتمد على مصدر خارجي لما يفتقده في المصادر الداخلية، إن الكتابة بهذا المعنى تضعف العقل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت