الصفحة 46 من 367

قال: ما أُعطي أحد إنا لله وإنا إليه راجعون إلاّ النبي عليه السلام ، ولو أُوتيه أحد لأُوتيه يعقوب ، حيث يقول: [يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ] [1] ، فهذه الكلمات كلها ظهرت في الإسلام ، على لسان محمد عليه السلام ، باللسان العربي ، ولم يكن لسائر الأمم هذا النظم العجيب ، والاختصار الحسن ، فلما وردت عليهم اضطروا إلى قبولها وتدوينها والإقرار بفضلها ، ولفظوا بها عند وجوب الشكر ، وطلب الصبر في وقت الاتكال والتسليم لأمر الله ، وعند فاتحة كلامهم ، وخاتمته ، وعند كل حادث نعمة ، ونازل مُلمَّة ، وإن كان العلماء الماضون ، ومَن درج من الصالحين قد عرفوا معانيها ، فإنهم لم يرسموها هذا الترسيم لأممهم ، على هذا الكلام والإحكام ، وادّخرها الله لنبيه تفضيلا له وتشريفا لمنزلته 0

... وإنما حذفوا الألف من [ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ] [2] ، لأنها في صدر كل سورة ، وكثُرت مع هذا على ألسنتهم ؛ فاستخفوا حذفها لأنها وقعت في موضع معروف ، لا يجهل القارئ معناه ؛ لأن من شأن العرب ألاّ تجاوز [3] الاختصار والحذف ، ألا ترى أنك تقول: بسم الله عند ابتداء كل فعل تأخذ فيه من مأكل أو مشرب أو ذبيحة ، فخف عليهم الحذف ، ولم يحذفوا الألف من قوله: [ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ] [4] وأشباهها ، لأنها لم تكثر كثرة بسم الله ، وقال / قوم إنما 12أ حذفت الألف من بسم الله لأن الأصل كان سِِم ، تقول: هذا اسم الشيء ، وسِم الشيء ، وأنشد:"من الرجز"

بسمِ الذي في كل سُورةٍ سِمُهْ [5]

(1) يوسف 84

(2) الفاتحة 1

(3) كتبت يحازو

(4) الواقعة 74 ، 96 ، الحاقة 52

(5) الألف في بسم الله وصل لأن تصغيره سمي . وحكى أبو زيد في نوادره ، ص 166 أن العرب تقول: هذا اسم وهذا سِم وسُم وأنشد ، وقال رجل زعموا أنه من كلب:

بسم الذي في كل سورة سمه

ويروى سمه، وإنما ضموا السين وكسروها، لأنه سموت وسميت بمعنى ارتفعت وعلوت، فمن قال: سم فكسر فمن سميت ومن قال سم فهو من سموت. ومعنى قولك: أسميت لفلان فلانًا، وإنما هو رفعت له صفته وما يعرفه به حتى عرفه. انظر: الصاحبي ، ص 383 ، وأدب الكتاب للصولي ، ص 33 0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت