تكفل اللّه عز وجل بحفظ دينه، فجند له جهابذة من عباده المخلصين الصالحين، وما من مصر من البلاد الإسلامية إلا وبه من يقيم هذا الجانب الهام في رقي الأمم والشعوب، فتوارث العلم رجال وقفوا أنفسهم لخدمته، والحفاظ عليه، وبذله لطالبيه في بعد عن مجازفة السلطان، وبلبلة العامة، فكان العلماء في الجانب العلمي دعائم خير وهدى، وحماة لثغور الشريعة الغراء، وإن كان المتتبع لأحوالهم، يجد أنهم بعدوا عن السلطان، ولم يشتغلوا بإيقاظ الروح الإسلامية عند الملوك والسلاطين، ولعل العذر في ذلك وصول الجهال وبعض أعداء الإسلام إلى قيادة الناس، وإذا ساس العامة والأعداء العلماء، حلت الكارثة وصعب التفاهم مع هذا النوع من الحكام والولاة، فالعوام والأعداء لا يعرفون إلا لغة الظلم والبطش.
مكانته العلمية:
إن شابًا بدأ حياته بطلب العلم فلازم علماء بلده ثم رحل إلى علماء الأمصار في عنفوان شبابه (1) ليأخذ عنهم ما لم يجده عند علماء بلده، وعايش أحداث عصره الجسام لجدير بتكوين شخصية علمية فذة، وهو ما يعلمه كل باحث في حياة هذا الإمام فألقابه العلمية تنبض بشهادة العلماء له بالمكانة الرفيعة، وتصانيفه العديدة خير شاهد على ما نقول، فهو الإمام الحافظ، محدث الإسلام، لا يكاد أحد يسأله عن حديث إلا ذكره له وبينه، ولا يسأل عن رجل- من أهل العلم- إلا قال هو فلان بن فلان (2) ، ذكر أنه يحفظ مائة ألف حديث (3) ، وفضل في حفظه وعلمه على أبي موسى المديني، والدارقطني (4) .
بعض صفاته:
(1) كان ذلك سنة 560هـ وعمره إحدى وعشرين سنة حين رحل إلى بغداد ( معجم البلدان 2/160) .
(2) تذكرة الحفاظ 4/1372، 1374.
(3) تذكرة الحفاظ 4/ 1375.
(4) تذكرة الحفاظ 4/1375، ومعجم البلدان 2/160، والنجوم الزاهرة 6/ 185.