ما من شك في أن اللّه عز وجل إذا أراد بعبد الخير يسَّر له سبله، وبعث في نفسه همة عالية لإدراك المراد، والزركشي رحمه الله أجاد حِرفة تُدِرّ عليه معاشًا في حياته، لكن اللّه عز وجل أراد له أفضل من ذلك، فأثار في نفسه الرغبة الشديدة في العلم، فأحبه، وصبر على تحصيله، وبادر إلى منابع العلم فلازم الشيوخ، وعايش الكتب، ونوّع مصادر المعرفة، حتى ضرب في ذلك مثلًا للجد والمثابرة، والصبر والمصابرة، فاستوعبت ذاكرته العديد من العلوم، واعتمد على ذاكرته بعد توفيق الله، وما يدون من الكتب إذ لم يشتر كتابًا، بل كان يقضي نهاره فيِ حوانيت الكتب (1) ، يقرأ ويفهم، ويدون ما يروق له، وهكذا كان جمَّاعًا للعلم حريصًا عليه، مقتحمًا كل عقبة كؤود في سبيله، إنها بداية الجد والاجتهاد والصبر والمثابرة.
رحلاته:
لم تتسع الرحلة عند الإمام الزركشي ولم تزد المصادر على أن ذكرت لنا رحلتين قام بهما الزركشي رحمه اللّه الأولى من مصر إلى دمشق حيث أخذ عن العماد بن كثير (2) علم الحديث والثانية كانت من دمشق إلى حلب حيث أخذ عن الأذرعي (3) . هاتان الرحلتان أكسبته السماع من عالمين كبيرين يشار إليهما بالبنان في عصره وقد نسبه في كشف الظنون فقال: الموصلي (1/448) فلعله رحل إليها. ولعل السبب في عدم سعة الرحلة والله أعلم أن مصر والشام كانتا أكثر البلاد الإسلامية من حيث الشهرة العلمية وكثرة العلماء في ذلك العصر أو أنه آثر الأخذ عن علماء مصر والشام ، وبدأ دراسة التصانيف والاشتغال بالتأليف.
شيوخه:
(1) الدرر الكامنة 3/ 398.
(2) الدرر الكامنة 3/ 397.
(3) المصدر السابق.