أمَّا عن قرض الفارسيِّ للشعر فيروي لنا تلميذُهُ ابنُ جني ( رحمه الله) قائلًا ( [18] ) : (( لم أسمع لأبي عليٍّ شعرًا قطُّ، إلى أن دخل إليه في بعض الأيام رجلٌ من الشُّعراء، فجرى ذِكْرُ الشِّعر ، فقال أبو عليٍّ: إنِّي لأغبطُكُم على قولِ الشِّعر ، فإنَّ خاطري لا يواتيني على قولِهِ، مع تحقُّقي للعلوم التي هي من موارده . فقال له ذلك الرَّجُلُ: فما قلتَ قطُّ شيئًا منه البتَّةَ ؟ فقال: ما أعهد لي شعرًا إلا ثلاثة أبياتٍ قلتُها في الشَّيب ، وهي قولي:
خَضَبْتُ الشَّيْبَ لَمَّا كَانَ عَيْبًا وَخَضْبُ الشَّيْبِ أَولَى أَنْ يُعَابَا
وَلَمْ أَخْضِبْ مَخَافَةَ هَجْرِ خِلٍّ وَلاَ عَيْبًا خَشِيْتُ وَلاَ عِتَابَا
وَلَكِنَّ المشِيْبَ بَدَا ذَمِيْمًا فَصَيَّرْتُ الخِضَابَ لَهُ عِقَابَا
فاسْتَحْسَنَّاها وكَتَبْنَاها عنه )) .
كتاب الإغفال (موضوعه ، منهجه ، أهميته) :
يُعَدُّ كتاب (( الإغفال ) )صورةً واضحةً لذلك اللَّون من النَّشاط النَّحوي الذي شاع في القرن الرَّابع الهجري والمتمثِّل في تعقُّب النُّحاة وتتبُّع بعضهم بعضًا، كما يُعدُّ الكتابُ صورةً صادقةً لضلاعة أبي عليٍّ وتمكُّنه العلمي وتبحُّره ، ومن ثَمَّ رأينا ابنَ قاضي شهبة ( رحمه الله) يصفُ كتابَ (( الإغفال ) )بأنَّه كتابٌ نفيسٌ ( [19] ) .