كانت الحرب على أرض العراق، آخر حلقة من سلسلة الحرب الصليبية الجديدة، التي أعلنتها قوى الكفر على هذه الأمة، وقد سبقتها تلك الحرب المضنية على أرض أفغانستان المسلمة وعلى حكومتها الراشدة وأنصارها الأطهار [1] . وسوف نتطرق إلى العلاقة الجدلية الكبيرة بين هاتين الحلقتين في الصفحات القادمة من هذا المقال.
لعله سؤال يتبادر إلى ذهن كل واحد منا، مع العلم أن هناك أنظمة لا تقل ظلمًا وفسادًا عن النظام البعثي في العراق، فلماذا يا ترى تمَّ التركيز على هذا البلد بالذات؟ وهل كان النظام الحاكم فعلًا هو الهدف الرئيس وراء هذه الحرب؟
لا شك أن الجواب هو النفي، والدليل أن الحصار الطويل الذي ضُرب على العراق كان ضحيته الشعب العراقي المسلم، بكل فعالياته وبنياته التحتية، ولم يتضرر النظام قليلًا ولا كثيرًا، بل تقوى وترسخت أقدامه أكثر بسبب ضعف الشعب والقهر الخارجي والداخلي المضروب عليه منذ سنين عددًا. هذا بالإضافة إلى غياب عصابة من المسلمين قادرة على حمل راية الجهاد السلفي في وجه النظام البعثي المرتد، كل هذا دفع بالعدو الصليبي إلى الإبقاء على هذا النظام العفن كأداة فاعلة لترويض هذا الشعب وكتم أنفاسه.
أما لماذا العراق بالذات، فلأن للعراق تاريخًا مجيدًا في تاريخ أمتنا الإسلامية، ولا يمكن أن ننسى الدور الذي لعبته الدولة العباسية في بسط النفوذ الإسلامي على العالم، عسكريًا وثقافيًا وعلميًا وحتى سياسيًا، لقد كان بمثابة غصة في حلوق الصليبيين وجدارًا سميكًا وعاليًا استعصى عليهم تجاوزه لبلوغ مراميهم الخبيثة داخل بلاد الإسلام. ولقد بقيت بغداد رمزًا لعزة الإسلام والمسلمين قرونًا طويلة، ومصدر إشعاع للعلم والأدب والدين شهد به الأعداء قبل الأصدقاء.
كان السقوط الأول لبغداد على يد هولاكو قائد التتار، وما تبع ذلك من تقتيل للمسلمين وهدم للمعالم والمآثر وحرق للكتب والآثار، لم يشهد التاريخ له مثيلًا في فظاعته ووحشيته، ولقد بلغ المسلمون يومها أسفل مراتب الذل والصغار، حينما تمكن الوهن من قلوبهم وابتعدوا عن دينهم. ثم كان سقوط بغداد الثاني في يد حفنة من المرتدين بعد الاحتلال الصليبي الثاني في بداية القرن العشرين، لكنه لم يشف غليل الصليبيين بالرغم من دورهم البارز في محاربة الإسلام وطمس هويته والقضاء على كل حركة إسلامية راشدة تتطلع إلى تحرير الأمة من براثن الكفر والردة. فجاء هذا الاحتلال ليحقق ما عجز عن تحقيقه عن بعد.
(1) - انظر كتاب الأنصار الثاني، المعنون"الحرب الصليبية المعاصرة: الحقيقة المفضوحة والدور المطلوب"