إن وضع الكيان الصهيوني اليوم وهو يواجه أسوأ أزمة يمر بها منذ إنشاءه سنة 1948، وتصاعد نجم الحركات الإسلامية في كل الأقطار وما يتبع ذلك من تعزيز للهوية، وانتشار روح الجهاد هي العوامل السياسية وراء إطلاق ناقوس الخطر والإعلان عن حملة صليبية أخرى.
وبما أن الوضع في الماضي لم يكن لصالح الصليب إلا في ظل أنظمة عربية وإسلامية هزيلة، فإن نفس الموقف هو السائد اليوم. ومقارنة سريعة تؤكد ذلك: فما الفرق بين أمير طرابلس وهو يتودد ويتوسل بين يدي رايموند الصليبي سنة 1099 م لعله يتركه يحكم مدينته، وبين ياسر عرفات وهو يقبل يدي مادلين ألبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية سنة 2000 لعلها تتركه يحكم مخفره .. ما الفرق بين تسليم افتخار الدولة بيت المقدس للصليبيين سنة 1099 م، وتسليم الملك حسين القدس للصهاينة سنة 1967 .. ما الفرق بين أمير شيزر وأمير طرابلس وهما يعرضان ولاءهما وخدماتهما لأسيادهم الصليبيين سنة 1099 م، وبين أمراء الأردن والسعودية والكويت وقطر والبحرين الخ. وهم يسبحون برغبات الصليبيين الأمريكيين طيلة العقود الأخيرة .. ما الفرق بين الملك شاوار وهو يستنجد بالصليبيين لإنقاذ حكمه سنة 1164 م من المجاهد نور الدين زنكي، وبين حكام العرب وهم يستغيثون بالكفار ضد الشيخ أسامة .. لا فرق بتاتا .. إن هذه الملكيات والإمارات والسلطنات والجمهوريات العربية اليوم تُجَسِّد واقع ملوك الطوائف المر .. الواقع الذي أضر بالإسلام دوما ولم ينفعه، وشكل في الماضي كما في الحاضر عقبة كؤودا أمام كل محاولات تحرير الأرض والإنسان.
أما عن تسبب الحكم العسكري في أزمات الأمة فحدت ولا حرج، فبغداد عاصمة الخلافة الإسلامية إبان الحملة الصليبية الأولى كانت تعيش على إيقاع الانقلابات العسكرية المتتالية، إلى درجة أن 8 انقلابات حدثت فيها فقط خلال الـ3 سنوات التي سبقت سقوط بيت المقدس في يد الصليبيين سنة 1099 م، مما كان له بالغ الأثر على الاستقرار السياسي وأضعف قدرات الأمة .. حدث نفس الأمر طيلة نصف القرن الأخير، فقد توالت الانقلابات في جل الأقطار العربية مما أنهك طاقة الأمة بشكل صارخ. ومعلوم أن نصف الدول العربية ترزخ تحت وطأة حكم عسكري ظالم لا يعرف سوى القمع والتنكيل كأسلوب في الحكم، مقابل الخنوع والاستكانة أمام العدو الخارجي. كما ان الملكيات ليست معفاة من التهمة، فهي كذلك تدخل تحت خانة الحكم العسكري ما دامت تحكم شعوبها أساسا بالحديد والنار.
وقد ترتب على هذا القمع الشامل نتيجة حتمية: بغض الشعوب للحكام. فالتحالف الصليبي- الصهيوني يدفع ملوك الطوائف المعاصرين إلى التضييق على الشعوب تحت حجج مختلفة، فتنتفض الشعوب كلما طفح الكيل، فتتدخل القوى الخارجية لصالح الأنظمة بعد ابتزازها ونيل أقصى التنازلات منها، لتستمر هذه الحلقة المفرغة إلى حين يستنفذ التحالف الصليبي-الصهيوني أغراضه كاملة.
وأمثلة الماضي تؤكد تشابها كاملا في استعمال هذا الأسلوب، فسقوط القدس في يد الصليبيين سنة 1099 م كان ضمنيا بسبب تمرد الأهالي ضد الحكم العسكري السلجوقي سنة 1076 م، فما كان من هذا الأخير إلا أن رد بقمع شديد تجاههم مما أدى إلى إفراغ مدينة القدس من الآلاف من سكانها، وتركها منذئذ كاللقمة السائغة بعدما لم يعد من يدافع عنها ...