الصفحة 8 من 25

و إن تعجب فعجب لبعضنا، جفاة قساة غلاظ، فأين هذا من قول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم (فبما رحمة من الله لنت لهم و لوكنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ... ) آل عمران 159.

كل من جاءك الى المسجد فأحسن معاملته و تلقاه بوجه طلق ورحب به حتى ولوكان طفلا صغيرا .. واسمع الى هذه القصة الجميلة التي ذكرها الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء:

عن أحمد بن النضر الهلالي قال سمعت أبي يقول: كنت في مجلس سفيان بن عيينة فنظر الى صبي فكأن أهل المسجد تهاونوا به لصغره فقال سفيان: (كذلك كنتم من قبل فمنّ الله عليكم) ثم قال يانضر لو رأيتني و لي عشر سنين طولي خمسة أشبار و وجهي كالدينار وأنا كشعلة نار ثيابي صغار و أكمامي قصار وذيلي بمقدار و نعلي كآذان الفار وأختلف إلى علماء الأمصار كالزهري وعمرو بن دينار أجلس بينهم كالمسمار محبرتي كالجوزة و مقلمتي كالموزة و قلمي كاللوزة فإذا أتيت قالوا أوسعوا للشيخ الصغير ثم ضحك"!! [1] "

و ـ اعرف جمهورك [2] : بمعنى أن تعرف حال من تخاطب، فالناس يختلفون، ففيهم المتعلم و غير المتعلم وهؤلاء درجات وأصناف، و فيهم الكبير و الصغير، و المستقيم و المنحرف، و المغرور

و المتكبر و الغني و الفقير .. فإذا لم تعرف طبيعة من تخاطب كنت سببا في فشل خطابك. هذا من جهة، و من جهة أخرى خاطبهم بما يعقلون و بالصحيح من الأخبار .. إياك و الخرافات

و الموضوعات التي تخدر الناس و لك في هدهد سليمان ـ عليه السلام ـ أسوة. الذي قال: (وجئتك من سبإ بنبإ يقين) النمل22.

و بعد أن تعرف أحوالهم، خاطبهم بواقعهم، فإن الفكرة التي تجهل أو تتجاهل واقعها مآلها الفشل. ورحم الله الأستاذ مولود قاسم الذي قال:".. أن يكون الإنسان ابن عصره مع البقاء على أديم مصره ودون أن يصبح نسخة غيره" [3] .

كما لاتنس أن خطابك في مكان ما يختلف عن غيره، فمثلا خطابك في المسجد ليس كخطابك في جلسة خارجه .. إذا جلست مع الناس فاحذر التصدر فقد يفضحك علمك، حين تتكلم بكلام ناقص. فربما يكون في المجلس من هم أعلم منك، حتى الخطاب المسجدي يختلف، فدرس الليل ليس كدرس الجمعة، فغالبا مايكون درس الجمعة وعظيا و الدرس الليلي تعليميا، و في هذا الأخير لاتنس نقطة مهمة جدا وهي الدوّام والاستمرار. فكثير من الائمة يفقدون شخصيتهم و

(1) سير أعلام النبلاء: قرص مضغوط ( CD) ومابعدها

(2) انظر كذلك: القدوة الاسلامية: 59 ومابعدها

فن الخطابة: 94 ومابعدها

(3) أصالية أم انفصالية:326.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت