فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 3

البقاءُ على أصلِ شئٍ دونَ تغييرٍ له ليس محمودًا في كلِّ الأحوالِ، و دوامُ الحالِ قد يكون ذمًا، و لا يظهرُ كمالُ الشئِ إلا بعد أن يُمتَحَنَ، فيُنتَفَعُ بِهِ، فالإحراقُ إشراقٌ، و كَيُ الذاتِ طَيُّ الهِنَاتِ، و كلَّما زِيْدَ في الكَيِّ بان الذهبُ، و تميَّزَ الكبريتُ، و الزيفُ طيفٌ.

لم يُقَصَد شئٌ من أشباهِ القهوةِ بالإحراقِ و التحميسِ، لأنَّه ليسَ مرْغوبًا في كمالِه، و لا مطلوبًا ليُنتَفَعَ بِهِ، فليسَ كلَّ محروقٍ ممحوق، و ليسَ كلَّ حَبِّ يُحَب.

اللون: أصلُها خضراء، و عند التَّحميسِ لها على النارِ يبدو التذوُّقُ في التفنُّنِ في تحميسها، فإما أن تكونَ مائلةً إلى اللونِ البُنِّي، و إما أن تكونَ مائلةً إلى السواد _ على اختلافِ تدرُّجاتِهما _، و لا تُرْغَب في لونها الأصلي _ إلا نادرًا _، و لا تُستَطْعَم إلا بسوادها.

لكلِّ لونٍ أثَرٌ و فائدة، ففي سوادِ الليلِ أُنْسُ المحبِّ، و هدأةُ البالِ، و سكينةُ القلبِ، و في بياضِ النهارِ وُضوحُ الرؤيةِ، و إبصارُ الدربِ، يُسْرُ العمل.

هكذا الحريقُ يُحدثُ لونًَا، و لونُ المعنى أشدُّ من لونِ المبنى، حُسْنًا و سوءًا، جمالًا و قُبحًا، فما كلُّ حمراءَ لحمة، و ما كلُّ بيضاءَ شَحمة، فاللونُ غرارٌ خدَّاعٌ، فالميزانُ ما خلْفَ اللونِ لا اللون.

المرارةُ: القهوةُ العربيةُ تميَّزَتْ بمرارتها، و تميُّزها بها من أجملِ صفاتها، و أكملِ سِماتها، فعلى كونها مُرَّةً إلا أن اللذَّةَ تأخذُ المرتَشف بنشوةٍ لا يكادُ يُخفي معالمَها من على وَجهه. عَجبًا لُمُرَّةٍ تُورِثُ لذةً!

و لا يقفُ عندَ ارتشافها مرةً واحدةً بل يأخُذُه التَّكرارُ لذلك، فيزداد تلذُّذُهُ بمرارتها، حتى لربما أتى على كمٍّ كبيرٍ من شُربِ آنيةٍ منها.

فليسَ كُلّ مُرٍّ سيئًا، و ليسَ كل حلوٍ حَسنًا، فكانَ ما نُريدُه حلوًا فهو كذلك و لو كانَ علقمًا، و ما أردناهُ مُرًَّا فهو كذلك و لو كان عسلًا صافيًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت