بعدهم؛ فإجماعهم على مسألة ما يقتضي أن لا يسعنا أن نخالفهم، فإذا لم يصطدم الخلاف بشيء من ذلك من الكتاب والسنة والإجماع وكذا القياس الجلي فلابد أن تتسع له صدورنا، وأن نتحمل في ذلك ما تحمله من قبلنا [1] .
ويوجد من أنواع الخلاف بين المسلمين ما لا يمكن أن يقبل وهو ما يصادم البينات من نصوص الكتاب والسنة، فمثلًا هل نقبل خلاف من يسب أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ وتجد دندنة حول هذا الموضوع، هل نقبل من ذلك شيئًا؟ هل وسع السلف أن يقبلوا الرافضة الذين يسبون أبا بكر وعمر ويلعنونهم ويلعنون الصحابة ويكفرونهم؟ .. هل كان موقف الصحابة من الخوارج الذين يكفرون الأمة (يعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه) ؟!، فضلًا أن يطبق هذا مع اليهود أو النصارى أو باقي المشركين ومن يحبهم ويواليهم .. هل كان موقف السلف - رضي الله عنهم - من نفاة القدر القول بأن (يعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه) أم قالوا كما قال ابن عمر - رضي الله عنه: (إذا لقيت هؤلاء فأخبرهم أني منهم بريء، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أنفق أحدهم مثل أحدٍ ذهبًا ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر) .
وكذلك قضية عبادة القبور والطواف حولها والنذر لها، هل وسع السلف ما وسع الناس اليوم بجهلهم وأنه لا يوجد ما يقتضي الخلاف والإشكال إذا كنا مسلمون وكلنا يجب أن نكون أولياء لله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
ولا يلزم من ذلك أن نحكم على أعيان من فعل ذلك بالخروج من الملة، بل لا يكفر المعين إلا بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، وإنما المراد استجلاء القضايا الكبرى وتوضيحها حتى تكون ظاهرة بينة أمام أعيننا وأعين الناس، ولذلك بدأنا بالعلم لأنه بدون العلم لن ينفض المختلفون من مجالس الخلاف غير مختلفين، وكذلك النية
(1) راجع في ذلك كتاب (فقه الخلاف بين المسلمين) للمؤلف.