إذن، الشعر، أو لنقل جانب واحد من الشعر، كان هو الوسيلة الإعلامية الفاعلة والوحيدة تقريبًا في ذلك الزمان، وقد وعى القدماء أهمية تلك الوسيلة الإعلامية، التي كانت تنحصر وظيفتها في ثلاث حالات تشكل الشمولية المطلوبة، وهي الفخر بالنفس وبقدرات الإنسان كفرد وبالقوم كمجتمع، والمديح للسلطة القائمة على شؤون القوم ـ المجتمع، والهجاء لكل من يحاول أن يعتدي بالقول أو بالسلاح.
وقد ظل الإعلام محدود الآفاق والإمكانات، وبقي الشعر وسيلته الوحيدة الفعالة حتى بداية العصر الحديث، فأخذت الصحافة دور الشعر وغير الشعر وأصبحت هي المنبر الإعلامي الوحيد في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
ولو انتقلنا مباشرة إلى وقتنا الراهن، أي إلى السنة الأولى من القرن الواحد والعشرين التي نحن فيها الآن، لوجدنا أن التطور الهائل قد امتد على كافة جبهات الحياة، وأصبحت الوسائل الإعلامية عديدة في تقنياتها ومتنوعة في أغراضها وأهدافها، وأهم هذه الوسائل، من حيث فاعليتها ومقدرتها واستمراريتها، هي الصحافة والإذاعة والتلفزة، ثم تأتي الوسيلة الرابعة، التي ستكون، في اعتقادي، هي الوسيلة الإعلامية العملاقة في المستقبل، وأعني بها شبكة الاتصالات الحديثة المعروفة"بالأنترنت"والتي أفضّل أن يطلق عليها"شبكة الإيصال"أو"جهاز الإيصال"وإحدى هاتين التسميتين فيما أعتقد يطابقان إلى حد ما عمل هذه التقنية الحديثة، أما لماذا سيكون هذا الجهاز الوسيلة الإعلامية العملاقة، فلأنه سيكون الجهاز الأكثر حيازة وانتشارًا عبر الحاسوب على المستوى الفردي والمؤسساتي من جهة، ولأنه من جهة أخرى لديه المقدرة الفائقة والعجيبة على التخاطب الكتابي والبصري، والسهولة في الوصول عبر الشاشة إلى أية جهة في العالم، وإيصال كل ما يراد إيصاله، وأخذ كل ما يرغب في أخذه من معلومات أو بيانات أو خدمات دون أن تكون هناك أية حواجز مانعة من ذلك.