وتأملوا يا رحمكم الله كلمة ( اجتهد ) ، يعني: جمع كل ما لديه من علم شرعي في المسألة ، وسأل أهل العلم الكبار فيما لم يجد له حلًا ، ثم حكم في المسألة ، وخوف الله فوق رأسه ، والجنة عن يمينه ، والنار عن يساره ، والصراط تحته ، والله مطلع عليه ، هذا هو الذي اجتهد ، فالأمر عظيم جد عظيم ، وخطير والله خطير ، فما أصعب القضاء والحكم بين الناس ، وما أجرأ الناس عليه .
وفي القضاء فضل عظيم ، لمن قوي على القيام به ، وأداء الحق فيه ، ولذلك جعل الله فيه أجرًا على الخطأ الغير مقصود ، وأسقط الله عنه حكم الخطأ ، ولأن فيه أمرًا بالمعروف ، ونصرة للمظلوم ، وأداءً للحق إلى مستحقه ، وردًا للظالم عن ظلمه ، وإصلاحًا بين الناس ، وتخليصًا لبعضهم من بعض .
لا يُولَّى القضاء من طلبه:
السلف وأهل الفضل قديمًا وحديثًا ، كانوا يهربون من القضاء ، كما يهرب أحدنا من حتفه ، لأنه حتف وهاوية ، وفيه تهمة لمن تولاه ، والواجب على ولي الأمر أن لا يولي القضاء إلا من يتركه خوفًا وورعًا ، وينتقي له أهل الفضل والعلم المعروفين ، أما اليوم فأصبح القضاء يعتمد اعتمادًا كبيرًا على أمرين لا ثالث لهما:
الأول: الواسطة .
الثاني: القبلية .
ومن قال بغير ذلك ، فقد تنكب الصواب ، وكذب وافترى ، واسألوا طلاب الجامعات عن ذلك ، فلديهم الخبر اليقين ، والجواب المعين .
وقد ورد في الصحيح عدم تولية القضاء لمن سأله ، فكيف بمن توسط ، وطلب الشفاعة من أجل القضاء ، لهو أحق أن يُبعد عن مجاله نهائيًا ، ولكن هكذا كثير من البشر ، لا يرعون لأحد حقه ، ولا يقدرون لبشر قدره ، حتى أصبح قضاؤنا اليوم يرتكز على قبيلة معينة بنسبة كبيرة في المائة ، وكأنهم هم المسلمون ، وغيرهم الفجار والمرجفون ، بل ربما رأوا أنهم شعب الله المختار ، فالله المستعان وعليه التكلان ، يخلق ما يشاء ويختار .