كنت ذاهبًا إلى بيروت من أكثر من أربعين سنة [1] في سيارة صغيرة، لصديق لي، فلما جاوزنا شتورا وبدأنا نتسلق الجبل، مرت بجنبنا سيارة «شيفروليت» من المقياس الواسع، جديدة مسرعة، فمشينا وراءها، وإذا هي تسابق السيارات، كلما رأت سيارة أسرعت حتى تسبقها، فيصيح من فيها ويضحكون ويصفقون، فلما رأينا ذلك تأخرنا عنها، ولكننا لبثنا نراها، حتى إذا وصلت إلى المنعطف الكبير، حيث يمشي الطريق على شفير الوادي، يشرف على سهل البقاع، رأيناها تحاول أن تسبق سيارة صهريج كبيرة من التي تنقل البنزين، ضخمة كلها من الحديد، وكانت تريد أن تدور، فلم تنتظر السيارة الصغيرة دورانها، بل زاحمتها ومرت من جنبها، فمال الصهريج عليها، فصدمها، فلم نرها إلا وهي ساقطة في الوادي، تتدحرج كأنها كرة قذفتها قدما غلام، فدهشنا ووقفنا سيارتنا ووقفت السيارات المارة كلها، ونزلنا نرى لم نصل إليها إلا بعد ربع ساعة، فوجدنا أطفالًا ثلاثة وبنتًا في نحو التاسعة قد أصابتهم خدوش وجروح ولكنهم أحياء، ووجدنا فتاة شابة إلى جنب السيارة قد أصابها الإغماء ولكن يبدو أنها سليمة، أما باقي الركاب. فقد صاروا عجينة واحدة، منظر من أفظع المناظر التي يمكن أن تراها العين، وقد اختلط فيها اللحم والعظم، منظر لم أرَ مثله إلا مرة أخرى سنة 1970م في الطريق الدولي في ألمانيا، عند (دوسلدورف) إذ تمشي السيارات في المسرى الأيسر من الطريق بسرعة تزيد دائمًا عن المائة والخمسين كيلو، فإذا وقفت واحدة منها فجأة، لم تستطع التي وراءها أن تقف فيكون هذا الصدام الهائل - فأسعفنا الأولاد ولم نمس شيئًا حتى تصل النجدة التي ذهبت إحدى السيارات لطلبها من المريجات على طرف الوادي، وسرعان ما حضر المحقق والطبيب والشرطة، وجعل الناس ينصرفون يتابعون طريقهم، ووقفت مع المحقق وكنت يومئذ من رجال القضاء، فاستمتعت أول التحقيق وأمسكت بطرف الخيط.
(1) نشرت في 27/11/1986م في جريدة الشرق الأوسط.