ولم تكن أم سليم تتصنع البذل أمام الناس وتنساه في نفسها .. وإنما العجب حالها في بيتها .. من عناية بزوجها .. ورضا بقسمة ربها ..
تزوجت أم سليم أبا طلحة .. ورزقت منه بغلام صبيح .. هو أبو عمير .. وكان أبو طلحة يحبه حبًا عظيمًا ..
بل كان صلى الله عليه وسلم يحبه .. ويمر بالصغير فيرى معه طيرًا يلعب به .. اسمه النغير .. فكان يمازحه ويقول: يا أبا عمير ما فعل النغير؟
فمرض الغلام .. فحزن أبو طلحة عليه حزنًا شديدًا .. حتى اشتد المرض بالغلام يومًا ..
وخرج أبو طلحة في حاجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وتأخر عنده ..
فازداد مرض الغلام ومات .. وأمه عنده ..
بكى بعض أهل البيت .. فهدأتهم وقالت: لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أحدثه ..
فوضعت الغلام في ناحية من البيت وغطته .. وأعدت لزوجها طعامه ..
فلما عاد أبو طلحة إلى بيته .. سألها: كيف الغلام؟
قالت: هدأت نفسه .. وأرجو أن يكون قد استراح ..
فتوجه إليه ليراه .. فأبت عليه وقالت: هو ساكن فلا تحركه ..
ثم قربت له عشاءه فأكل وشرب .. ثم أصاب منها ما يصيبه الرجل من امرأته ..
فلما رأت أنه قد شبع واستقر .. قالت: يا أبا طلحة أرأيت لو أن قومًا أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا ..
قالت: ألا تعجب من جيراننا؟ قال: وما لهم؟!
قالت: أعارهم قوم عارية .. وطال بقاؤها عندهم حتى رأوا أن قد ملكوها .. فلما جاء أهلها يطلبونها .. جزعوا أن يعطوهم إياها ..
فقال: بئس ما صنعوا ..
فقالت: هذا ابنك .. كانت عارية من الله .. وقد قبضه إليه .. فاحتسب ولدك عند الله ..
ففزع .. ثم قال: والله .. ما تغلبيني على الصبر الليلة .. فقام وجهز ولده ..
فلما أصبح غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره .. فدعا لهما بالبركة ..
قال راوي الحديث: فلقد رأيت لهم بعد ذلك في المسجد سبعة أولاد كلهم قد قرأ القرآن ..
فانظري كيف ارتفعت بدينها .. عن شق الجيوب .. وضرب الخدود .. والدعاء بالويل والثبور ..
هل رأيتم امرأة توفى ابنها .. بين يديها .. وتقوم بخدمة زوجها .. وتهيئ له نفسها ..
بل هل رأيت ألطف من لطفها .. أو ألين من طريقتها ..
إن امرأة بهذا الإيمان والدين .. والصدق واليقين .. لينتشر خيرها .. وتعم بركة فعلها .. على أهل بيتها ..
فيصلح أولادها .. وتستقيم بناتها .. ويتأثر زوجها بصلاحها ..
فلا عجب أن يرتفع شأن أبي طلحة بعد زواجه منها ..
كانت أم سليم تحثه على الدعوة والجهاد .. وطاعة رب العباد .. حتى إذا كانت خرج أبو طلحة مع المجاهدين .. فاشتد عليهم البلاء .. فاضطرب المسلمون .. وقتّلوا .. وتفرقوا ..
وأقبل المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدون قتله ..
فأقبل عليه أصحابه الأخيار .. وهم جرحى .. وجوعى ..