العبد على نفسه منها، كانت هذه المحاولة للانتفاع بمواعظ القرآن، والتذكر لما يسر الله فيه من حقائق الإيمان، وثمراته اليانعة والتي أسأل الله أن ينفع بها كاتبها وقارئها وسامعها، وأن يرزقنا عيش السعداء وموت الشهداء، ومرافقة الأنبياء، وأن يغفر لنا ولوالدينا وأهلينا وذرياتنا، وإخواننا وأخواتنا وأحبائنا والمؤمنين والمؤمنات؛ إنه سميع قريب. ولنشرع في ذكر قصة سيدنا آدم أبي البشر عليه السلام؛ قصة رحلته إلى الأرض وسيكون طريقنا إن شاء الله أن نذكر الآيات التي تضمنت القصة في مواضعها المختلفة من القرآن ونبين فوائد كل منها، وما يتعلق بتفسيرها باختصار. والله المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل.
قصة سيدنا آدم عليه السلام ... في سورة البقرة ... قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: 30 ـ 33] .
قال ابن كثير -رحمه الله-: «يخبر تعالى بامتنانه على بني آدم بتنويهه بذكرهم في الملأ الأعلى قبل إيجادهم، فقال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ} أي واذكر يا محمد إذ قال ربك للملائكة، واقصص على قومك ذلك {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} أي قومًا يخلف بعضهم بعضًا قرنًا بعد قرن وجيلًا بعد جيل؛ كما قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ} [الأنعام: 165] ، وقال: {وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ} [النمل: 62] ، وقال: {وَلَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ} [الزخرف: 60] ، وقال: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ} [الأعراف: 169] ، وليس المراد ههنا بالخليفة آدم عليه السلام فقط، كما يقول طائفة من المفسرين، وعزاه القرطبي إلى ابن عباس وابن مسعود وجميع أهل التأويل وفي ذلك نظر، بل الخلاف في ذلك كثير حكاه الرازي في تفسيره وغيره، والظاهر أنه لم يرد آدم فيها عَيْنًا، إذ لو كان ذلك لما حسن قول الملائكة: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} فإنهم أرادوا أن من هذا الجنس مَن يفعل ذلك وكأنهم علموا ذلك بعلم خاص، أو بما فهموه من الطبيعة البشرية فإنه أخبرهم أنه يخلق هذا الصنف من صلصال من حمأٍ مسنون، أو فهموا من الخليفة أنه الذي يفصل بين الناس ما يقع بينهم من المظالم ويردعهم عن المحارم والمآثم. قاله القرطبي، أو