يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: 37 ـ 39] .أحسن ما قيل في بيانِ هذه الكلمات التي تلقاها آدم من ربه هو ما بينه الله عزَّ وجلَّ في قولهِ تعالى: {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23] ، وهو مروي عن مجاهد وسعيد بن جبير وأبي العالية والربيع بن أنس والحسن وقتادة ومحمد بن كعب القرظي وغيرهم، ومدار هذه الكلمات المباركات على الاعتراف بالذنب، وكمال اللجأ والافتقار إلى الله في مغفرته ورحمته، وقد بين سبحانه أنه قد تاب على آدم وغفر له ورحمه واجتباه وهداه، وأن هذا مقتضى أسمائه الحسنى {إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ} ، الذي يرجع إلى عبده برحمته وفضله وعطائه إذا رجع إليه عبده بالندم والتوبة والاستغفار، {الرَّحِيمُ} الذي يرحم عباده بتوفيقهم إلى مرضاته وقبول عملهم وتوبتهم وهذا الاسم هو الدال على الرحمة الخاصة {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب: 43] فهي الرحمة المتعلقة بالدين والإيمان والإعانة على ذكره وشكره وحسن عبادته المؤدية إلى الفوز بجنته، والقرب منه، وآثار هذه الرحمة ظاهرة بَيِّنة في إرسال الرسل وإنزال الكتب، وهداية المؤمنين إلى صراطه المستقيم وأخذ نواصيهم إليه، وصرف همهم إلى طاعته، وإنما يدركها أهل الإيمان في كل طاعة وفقوا لها يعلمون أنها رحمة من الله بهم، وفي كل ذنب تابوا إلى الله منه فغفره لهم فإنما هي رحمة من الله بهم، وهذه الرحمة غير رحمته العامة بهم وبسائر خلقه في ما هيأ لهم من أسباب حياتهم ومعاشهم وأهليهم، وأموالهم وأرزاقهم؛ فهذه الرحمة التي دل عليها اسم الرحمن، والأولى التي دل عليها اسم الرحيم ولا يخفى أن المقام هنا ألصق بالرحمة الخاصة المتعلقة بالتوبة، وقبولها؛ ولذا ختمت الآية بهذين الاسمين الكريمين {التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} ، وبالتأمل في هذه الآية الكريمة وما بها من الخير العظيم للبشرية بسهولة الرجوع إلى الله، وأن الباب لهم مفتوح من خلف أبيهم آدم فالاعتراف بالذنب والندم والاستغفار يحصل به العفو والمغفرة وزوال أثر الخطيئة، نجد فيها حل المشكلة الكبرى التي توهمها كفار النصارى الذين تصوروا وظنوا أن الخطيئة التي أخطأها آدم لم تغفر ولا تغفر ـ رغم العقوبة