يُهلُّون بالبيداء لبيك ربَّنا *** لك الملك والحمد الذي أنت تعلمُ
دعاهم فلبَّوه رضًا ومحبةً *** فلما دَعَوه كان أقرب منهم
تراهم على الأنضاد شُعثًا رؤوسهم *** وغُبرًا وهم فيها أسرُّ وأنعم
وقد فارقوا الأوطان والأهل رغبة *** ولم يُثْنهم لذَّاتهم والتنعُّم
يسيرون من أقطارها وفجاجِها *** رجالًا وركبانًا ولله أسلموا
ولما رأتْ أبصارُهم بيته الذي *** قلوبُ الورى شوقًا إليه تضرَّمُ
كأنهم لم يَنْصَبوا قطُّ قبله *** لأنّ شقاهم قد تَرَحَّلَ عنهمُ
فلله كم من عبرةٍ مهراقةٍ *** وأخرى على آثارها لا تقدمُ
وقد شَرقَتْ عينُ المحبَّ بدمعِها *** فينظرُ من بين الدموع ويُسجمُ
وراحوا إلى التعريف يرجونَ رحمة *** ومغفرةً ممن يجودَ ويكرمُ
فلله ذاك الموقف الأعظم الذي *** كموقف يوم العرض بل ذاك أعظمُ
ويدنو به الجبار جلَّ جلاله *** يُباهي بهم أملاكه فهو أكرمُ
يقولُ عبادي قد أتوني محبةً *** وإني بهم برُّ أجود وأكرمُ
فأشهدُكم أني غفرتُ ذنوبهم *** وأعطيتهم ما أمَّلوه وأنعمُ
فبُشراكُم يا أهل ذا الموقف الذي *** به يغفرُ الله الذنوبَ ويرحمُ
فكم من عتيق فيه كُمَّل عتقُه *** وآخر يستسعى وربُّكَ أكرمُ
قصيدة يا راحلين إلى منى بقيادي
ذكروا في التاريخ العربي ان البرعي في حجه الأخير أخذ محمولا على جمل فلما قطع الصحراء مع الحج الشامي
وأصبح على بعد خمسين ميلًا من المدينة هب النسيم رطبًا عليلًا معطرا برائحة الأماكن المقدسة فازداد شوقه للوصول لكن المرض أعاقه عن المأمول فأنشأ قصيدة لفظ مع آخر بيت منها نفسه الأخير .. يقول فيها:
يا راحلين إلى منى بقيادي *** هيجتموا يوم الرحيل فؤادي
سرتم وسار دليلكم يا وحشتي *** الشوق أقلقني وصوت الحادي
وحرمتموا جفني المنام ببعدكمي *** ا ساكنين المنحنى والوادي
ويلوح لي مابين زمزم والصفا *** عند المقام سمعت صوت منادي
ويقول لي يانائما جد السُرى *** عرفات تجلو كل قلب صادي