الصفحة 2 من 28

بسم الله الرحمن الرحيم

في كثير من الأحيان تظهر مقولة ثم تنتشر ويفشو أمرها بين الناس: في أحاديثهم وكتاباتهم، حتى لا يكاد يذكر في بابها غيرها، وإذا فتشت في حقيقة ذلك وجدت أن أصلها كلمة مبتدأة في بابها لم يسبقها شيء فذاعت وانتشرت ورددها الكبير والصغير، وهي في حقيقة الأمر لا تعدو كونها رأيا لم تتوفر له دلالات الصحة وأماراتها، ونحسب أن من ذلك ما يذكره كثير من الناس عن عدم اهتمام المسلمين بالحديث عن السياسة، وأن جل همهم متعلق بالآخرة، أما الدنيا فليس لها من كتاباتهم نصيب، فاهتمامهم منصب على أمور غيبية أو على ما تحت التراب لا على ما فوق وجه الأرض، من العلوم والمعارف الدنيوية، وأن ما كتبوه في ذلك لا يتجاوز عددا محدودا من الدراسات، وأغلبهم لا يعرف من الكتب غير الأحكام السلطانية للماوردي، وهؤلاء فريقان:

-الفريق الأول: من يطعن بذلك في الإسلام نفسه وأنه دين لا علاقة له بالدنيا، وليس من شأنه أن يتعامل معها، وأن من يحاول ذلك من المسلمين فهو يظلم الدين إذا يدخله-حسب زعمه-في أمور لم يأت لقيادها وعلاج ما فيها من أدواء، وهؤلاء هم العلمانيون.

-والفريق الثاني: من لا يذهب ذلك المذهب بل يرى أن الدين كما هو يعتني بأمر الآخرة التي هي مستقر الناس بعد كدحهم في الدنيا، فهو يعتني أيضا بأمر الدنيا إذ الدنيا مزرعة الآخرة، لكنه يلقي بالتبعة واللوم على علماء المسلمين لتقصيرهم في هذا الباب.

ولعلنا في هذه المقالة نعرض لمقولات كلا الفريقين ونبين مدى صوابها ودقتها، وقبل الدخول في ذلك نود الإشارة إلى أن الشريعة الخاتمة التي أنزلها الله تعالى على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وجاءت أحكامها في الكتاب والسنة تعتني بالأمرين جميعا الدنيا والآخرة ولا تعرف هذا الفصل الحاد بين المجالين، فالتفريق بينهما إنما هو تفريق تكامل لا تفريق تعارض وتضارب، فالدنيا مزرعة الآخرة، والآخرة حصاد الدنيا، وفساد الدنيا مضر بالآخرة، لكن الأحكام الشرعية لم تأت في مصادرها على وزان واحد وإنما جاءت بصور متعددة ما بين التصريح والتنبيه والإشارة والإيماء وغير ذلك من طرق دلالة الأدلة على الأحكام من خلال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت