فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 335

يحدث الانقطاع في الشعر القديم، في القصائد التي تسرد أحداثًا، إذ تقوم هذه القصائد على التناوب بين القص والوصف، الحركة والسكون، اللذين يجتمعان أحيانًا ليكوّنا ما يعرف بالصورة السردية، فامرؤ القيس على سبيل المثال، يمضي في قص فراق الحبيبة قائلًا:

ففاضت دموع العين مني صبابة ... على النحر حتى بلّ دمعي محملي

ويقطع القص والأخبار متحولًا إلى وصف هذه الحبيبة:

مهفهفة بيضاء غير مفاضة ... ترائبها مصقولة كالسجنجلِ

ولكن الانقطاع في القص والانتقال إلى الوصف الذي يموضع الأحداث، ويمنحها بعدها التخييلي والتمثيلي، لا يؤدي إلى أي انقطاع في فكرة القصيدة ولا يكسر تسلسل هذه الفكرة فيها. وقد خصصت العربية أدوات للربط بين الجمل ووصلها، هي الواو والفاء وثم وتعد الواو أكثرها استخدامًا وأرقاها، بحيث قد تخفى الحاجة إليها فلا يدركها إلا من أوتي حظا من حسن الذوق (12) .

أما في قصيدة الحداثة، فإن الانقطاع يأخذ شكلين ويتم بأسلوبين يكمل إحدهما الآخر، فالشاعر قد يتحدث عن موضوع معين، ولكنه يهمله ليتحدث عن موضوع آخر لا علاقة بينه وبين الموضوع الأول ولا يجمع بينهما أي جامع عقلي واضح، وبهذا يقطع التسلسل الفكري في القصيدة، حتى وإن استخدم حروف العطف المعروفة كأدوات للربط بين الجمل الشعرية، وإما أن يترك جمله الشعرية مستقلة عن بعضها لا يجمع بينها أحرف العطف والتشريك ولا جامع عقلي واضح، وفي الحالتين نكون إزاء بنية في لغة القصيدة أطلقنا عليها، بنية التجاوز والانقطاع وسنمثل لهذين الأسلوبين بنماذج من الشعر الحديث، كما سنمثل بنماذج من هذا الشعر للانقطاع داخل الجملة نفسها، فضلًا عن الخطاب يقول محمود درويش في قصيدته"قصيدة الأرض" (13) في شهر آذار في سنة الانتفاضة، قالت لنا الأرض

أسرارها الدموية في شهر آذار مرت أمام

البنفسج والبندقية خمس بنات وقفن على باب

مدرسة ابتدائية، واشتعلن مع الورد والزعتر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت