ويبدو أن الشعر العربي عرف ظاهرة الانقطاع وإليه يعود اختراع الظاهرة، قبل الشعر الغربي الحديث، وقد نقل"جان كوهن"في كتابه"بنية اللغة الشعرية"، مقطوعة من الشعر العربي، تعود إلى القرن الثالث عشر الميلادي، وأوردها"برونشفيك"في كتابه"ميراث الكلمات وميراث الأفكار"، وهي مقطوعة تعبر عن فلسفة الزهد، تقول أبياتها إن الكائن لا يمكن تملكه، وكل ما يمكن تملكه هو مظهره وحسب، ولكن الشاعر يقطع حديثه عن الكائن البشري، ليقحم الطبيعة، إقحامًا غير مسوغ في عالم الإنسان، بجملة يقول فيها الشاعر (والشفق هادئ والدنيا صامتة) (9) . وهذا النمط من الانقطاع، أي إقحام الطبيعة في الدراما الإنسانية، أو العكس، يعد من أبرز أشكال الانقطاع في قصيدة الحداثة.
وقد نكون غير مغالين إذا ما زعمنا، أن القرآن الكريم، لا الشعر العربي وحده قد عرف ظاهرة الانقطاع، وإن على مستوى الجملة، ففي الآية الكريمة على سبيل المثال:"أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت"ليس ثمة"مناسبة بين الإبل والسماء وبينهما وبين الجبال والأرض بحسب الظاهر"ولكن ثمة جامع خيالي أو وهمي بينهما وقد قيل في ذلك:"ولما كان الخطاب مع العرب والإبل شاغلة لأخيلتهم لكونها أعز أموالهم وكانت الأرض لرعيها والسماء لسقيها... ناسب إيراد الكلام طبق تخيلاتهم (10) وكل هذا صحيح، ولكن القول بأن"الجبال لالتجائهم إليها عند الملمات" (11) يبدو متعسفًا وغير مقنع، سيما إذا تركزت القراءة على الرسالة لا المرسل إليه [1] ."
(1) * أطلق بعض الدارسين القدماء على مثل هذا الانقطاع مصطلح (( التخلص ) )وجادل البعض الآخر بأن التخلص غير موجود في القرآن الكريم، انظر، البرهان في علوم القرآن، الزركشي ص45.