الصفحة 7 من 127

ويمكن القول: إن هذا المنهج المعتمد لدى القدماء في تثبيت صحة نسبة الكتاب إلى صاحبه ، من المناهج الدقيقة التي يقطع فيها الطريق على محاولات المنتحلين والوضاعين ، فإن النجاشي مثلا لم يكتف بذكر طريقه أو طرقه للكتاب التي تنتهي بمؤلفه ، وبيان وسائط وصول الكتاب إليه ، وإنما سعى في مرات كثيرة لوصف نوع النسخة أو النسخ ، وناسخها ، ومدى إمكانية الاعتماد عليها ، والاختلاف فيها الناشيء من اختلاف نسخها ، بل حاول أن يكشف لنا أحيانا ما إذا كان الاختلاف يرجع إلى أمر كاختلاف الرواة مثلا ، كما في قوله عن كتاب بكر بن صالح الرازي:

( وهذا الكتاب يختلف باختلاف الرواة عنه ) (9) .

وهذا المنهج الذي التزم به النجاشي في تدوين كتابه ، هو نموذج تطبيقي لما تبناه العلماء المسلمون في تدوين مصنفاتهم ، وقد يحسب البعض خطأ أن التقاليد العلمية الحديثة المستخدمة في تحقيق ونشر النصوص التراثية لم تكن معروفة فيما مضى ، ولكن الخبير بالتراث الإسلامي يعرف أن الكثير من الأساليب العلمية في تقويم النصوص وضبطها ، كانت شائعة لدى القدماء ، فقد

(7) ن . م: ص 383 .

(8) ن . م: ص 44 .

(9) ن . م: ص 109 .

لاحظنا كيف أن القدماء لا يكتفون بذكر طرقهم المباشرة إلى مؤلفي الكتب ، وإنما يهتمون أيضا بذكر أحوال نسخ الكتب التي وصلتهم ، وأسماء نساخها .

كذلك اهتموا باحترام النصوص ، وعدم العبث فيها ، والحذر من أي تصرف فيها ، ونقلها بالشكل الذي وصلتهم ، وأضحت الأمانة العلمية من أوضح سماتهم في النقل ممن تقدموا عليهم .

يقول القاضي عياض:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت