وقال الحنفية-رحمهم الله-: إن الترجيع غير مشروع، وإنه بدعة في الأذان، فلا يجوز للمؤذن أن يُرَجِّعَ في الأذان، وقد خالف الحنفيةَ-رحمهم الله- الصاحبان، فقال القاضي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم - صاحب الإمام أبي حنيفة -، وكذلك الإمام محمد بن الحسن الشيباني-رحمة الله على الجميع- بجواز الترجيع - كالجمهور -.
استدل الجمهور على جواز الترجيع بالأحاديث الصحيحة عن النبي- صلى الله عليه وسلم - ، وذلك في حديث أبي محذورة- t وأرضاه- حيث إن النبي- صلى الله عليه وسلم - أمره إذا بلغ الشهادتين أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله بصوت يسمعه من حضر، ثم كذلك في شهادة أن محمدًا رسول الله. فدل هذا الحديث الصحيح على مشروعية الترجيع في الأذان، وأنه ليس ببدعة؛ لأن البدعة تكون فيما لا أصل له من الكتاب والسنة، وهذا الترجيع له أصل من السنة الصحيحة عن النبي- صلى الله عليه وسلم - .
واستدل الحنفية-رحمهم الله- بما يلي:
استدلوا بما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي- صلى الله عليه وسلم - وفيه: أن النبي- صلى الله عليه وسلم - أمر بلالًا أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة وهو حديث - أنس في الصحيحين - ووجه الدلالة: أن الشفعية المرادبها مرتين، فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله (مرتين) وليس أربعًا، وكذلك استدلوا بحديث عبد الله بن زيد- t وأرضاه- قالوا: إن الحديث الصحيح عن عبد الله بن زيد نص على الشهادتين أربعًا، فذكر: شهادة أن لا إله إلا الله (مرتين) ، وشهادة أن محمدًا رسول الله (مرتين) . فأصبح المجموع أربعًا لا ثمانية - كما ذكرتم - قالوا: فالسنة أن تكون الشهادتان مرتين وليس بالتربيع.
والصحيح ما ذهب إليه جمهور العلماء-رحمهم الله- أن الترجيع في الأذان مشروع وليس بممنوع، وذلك لأن النبي- صلى الله عليه وسلم - علمه أبا محذورة- t- ولو كان ممنوعًا لما أمره بذلك، وأما ما ذكروه من حديث أنس- t وأرضاه- فإن الشفعية المراد بها الأغلب، والأغلب لا يشمل ما ذكرناه من لفظ الشهادتين؛ لأن أغلب ألفاظ الأذان يحمل على أن المراد بالشفعية التربيع، فيدخل فيها تربيع الشهادتين؛ لأن وصف الشفع يشملها، وبناءً على ذلك: لا تعارض بين حديث أنس، وحديث أبي محذورة - الذي ذكرناه -.