فهذا كله يدل على أن الإطلاق الصحيح للقاعدة يجب أن يكون هكذا (إذا تعارضت مصلحة ومفسدة، يقدم أرجحهما، فتجلب المصلحة الأعظم، وإن أدى إلى الوقوع في المفسدة الأدنى، وتدفع المفسدة الأشد ضررا، وإن أدى إلى فوات المصلحة المرجوحة، وإذا تعارضت المصالح قدم الأعظم، وإن فات الأدنى، وإذا تعارضت المفاسد دفع الأشد ضررا منها بارتكاب الأدنى) وقد وذكرها بعض العلماء المحققين بهذا الإطلاق الأقرب إلى الصواب والأدل على المقصود الشرعي، كالعلامة عبدالرحمن السعدي كما سيأتي في هذا البحث.
وبهذا يرجع الباب إلى الترجيح، ويبقى نظر المجتهد في أرجحهما بمعنى أعظمهما نفعا وصلاحا وأقرب إلى تكميل الدين وإصلاح أحوال المسلمين، فإذا كانت المصلحة المرجوحة من قبيل التحسينات أهدرت في سبيل دفع السيئة العظيمة، لأنه ليس في فوات تلك المصلحة مفسدة تربو على أختها الأخرى التي زاحمتها، وأما إن كان التعارض بين مصلحة من المصالح الضرورية ـ على سبيل المثال ـ ومفسدة صغرى، فإن في فوات تلك المصلحة مفسدة أشد ضررا من المفسدة الصغرى، فكيف يقدم درء تلك المفسدة على جلب المصلحة الضرورية الكبرى؟!
وبهذا التحرير تكون القاعدة ـ من هذا الوجه ـ متناسقة بالنظر إلى التلازم بين المصالح والمفاسد، فتقديم المصلحة الأرجح مع الوقوع في المفسدة الأدنى، نظير دفع المفسدة الأعظم ـ المترتبة على فوات المصلحة الأرجح في هذه الحالة ـ بارتكاب المفسدة التدني.