يلازم القرآنَ ملازمةً تامّةً - كمصدرٍ مُبيّنٍ للرسالة الخاتمة - السُنّةُ النبويةُ المطهرة. وملازمتها للقرآن هي أوضح ما تكون في قوله تعالى: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم. فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أُنزل معه أولئك هم المفلحون} (الأعراف 157) . فهنا ينسب الله التحليل والتحريم ووضع الإصر والأغلال إلى رسوله صلى الله عليه وسلم. وكأنه - جلّ شأنه - جمع بين القرآن الكريم الذي يحمله الرسول صلى الله عليه وسلم وليس له فيه إلاّ البلاغ، وبين السنة التي سوف يعبّر عنها باعتبارها بيانًا وتطبيقًا وتنزيلًا وربطًا لقيم القرآن الكريم بالواقع الذي عاش فيه الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - ليتضح ببيان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهج التطبيق والتأسي وفهم القرآن وتغيير الواقع والمجتمع به.
هذه هي الصورة الحقيقية للمصادر التي تشكل المرجعية النهائية للبشرية إلى يوم الدين، بدون الحاجة إلى أية مرجعية إضافية أخرى. وهذا ما عبر عنه الله جلّ شأنه بقوله: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا} (المائدة:3) ، وعبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله:"تركتُ فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسّكتم بهما: كتاب الله وسنتي"1 وأيضًا"تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلاّ هالك"2.
كيف تتحقق المرجعية
وتتحقق تلك المرجعية من خلال قراءتين: قراءة الوحي وقراءة الوجود، فَهْمٌ للوحي وفهم للكون. بحيث يمضي الإنسان - الذي رزقه الله عينين - على بصيرة في هذه الدنيا، فعينٌ على الوحي الهادي، وأخرى على هذا الكون المُسخَّر. وحيث إنَّ القراءة قراءة إنسانية، والفهم فهم إنسانيٌّ، وحيث أن العقل الذي يتعامل مع النص هو عقل إنساني بكل قصوره وعيوبه، فإن أول ما يبرز إلى حيز الدراسة في هذا المجال إشكالية جدلية النص والواقع التي تحتاج إلى تحليل.
ففي إطار الفهم السابق يأتي الفهم البديهي بأن البشرية يجب أن تصبح في حالٍ أفضل، بعد أن امتلكت الكتاب المعصوم، الذي حُفظت أحرفه كأنها مواقع النجوم، وامتلكت الهدي النبوي الذي يمثل المنهاج التطبيقي لقيم الكتاب المعصوم في الواقع البشري. ويصبح كل المطلوب هو أن يرجع الإنسان بشكل متواصل إلى هذين المصدرين، بعقل متفتح قادر على أن يقرأ الوحي، وقادر على أن يقرأ الكون معه. والتاريخ يشهد كيف كانت البشرية تتدرج في صعد الكمال بقدر تطبيق تلك القاعدة. من هنا فإن أي خلل يحدث في مرحلة ما من التاريخ يجب أن يُفسّر على أنه مسؤولية القراءة الخاطئة، ومسؤولية العقل البشري وتصوره، وليس بحال مسؤولية النص بشكل مباشر.
ونحن حتى نفهم أي نص، لا بد لنا من معرفة النموذج ( paradigm) الكامن في ذهن قائل النص (ونقصد بالنموذج مجمل المنطلقات النظرية الأساسية التي يصدر عنها تصور قائل النص وطروحاته، والتي يتحدد من خلالها تماما المعنى الذي أراده) . وهذا يتحقق - في حالة كون القائل بشرًا - بأن نسأله مباشرةً عن قصده وعن المعنى الذي يرمي إليه. فإذا لم نتمكن من ذلك، فإننا نقوم بأنفسنا برحلةٍ في ذهن قائل النص من خلال مجمل كتاباته وطروحاته لنعرف النموذج الذي يتحدث من خلاله.
إلا أن مشكلة أخرى تبرز هنا، تلك هي مشكلة قارئ النص. فالقارئ نفسه عنده نموذج في القراءة (أي تصورٌ عام معين للكون والحياة والإنسان) ، وهو يتأثر في قراءته تلك بكل ما يحيط به في هذه الحياة. هذا في حالة النص البشري، أما في حالة النص الإلهي فإننا لا نستطيع أن نتعامل معه إلاّ في حدود كونه قولًا إلهيًا، أي أننا لا نستطيع تطبيق القاعدة الأولى إلا في حدود استقراء المقاصد والأهداف والغايات التي وضعها سبحانه في مواضع متعددة من كتابه الكريم. ثم تبقى - بعد ذلك - مشكلة القارئ والنموذج الذي يقرأ من خلاله، لمعرفة ماهية المؤثرات التي تتدخل في عملية الفهم أو عدمه.
وواضح هنا أن ظروف الحياة التي تحيط بنا، وكذلك اللغة والعادات والمستوى الثقافي وغيرها من الأمور، كلها من العوامل المؤثرة في عملية الفهم. ونتيجةً لهذه المؤثرات، يحدث أحيانا فصامٌ بين النص وبين مُتلقّيه، كأنْ يتساءلَ إذا ما كان أمرٌ ما متعلقا به، أو ينطبق على حالته. حتى إذا ما أحس بصعوبة الفهم، بدأ يحاول التعامل مع النص منطلقا من ضغوط ظروفه المعينة، كأن يؤوّل المعنى، أو يلغي منه، أو يضيف إليه، بشكل يساعده على أن يتكيف مع النص بشكل من الأشكال. وقد حدث هذا مع الأمم التي سبقتنا وفرقت كتبها، لأنها في إطار رؤيتها الجامدة للنص، وفهمها الحرفي له، وتعاملها التقليدي معه، شعرت أنها لا تستطيع الالتزام به وتطبيقه، فانحرفت عنه وحرّفته. وقد أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن هذه الأمة قد تبتلى بما ابتليت به الأمم السابقة:"لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، قيل يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال فمن؟"وفي لفظ:"حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه"1.