الصفحة 2 من 8

فقط. ولم تخلُ أمةٌ من نبي {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} (الإسراء:15) ، {وإن من أمة إلاّ خلا فيها نذير} (فاطر:24) .

وأما النوع الثاني فهو رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - وهي الوحيدة الشاملة والكاملة والعامة والعالمية والخاتمة. وتتصف رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - بخصائص معينة تجعلها مختلفة عن الرسالات التي سبقتها في عدد من القضايا:

أولا: أن هذه الرسالة صدّقت الرسالات التي سبقتها. وعملية"التصديق"هنا تتمثل في استرجاع كل ما ورد من مُشترَكٍ بين الرسل في تلك الرسالات بغرض نقدها وبيان الزائف والمزيد والمحرّف فيها، وتصحيح الصحيح وبيان الخطأ. ولذلك امتلأ القرآن الكريم بذكر الأنبياء السابقين وأممهم وأحوالهم. ويترافق مع صفة"التصديق"صفة"الهيمنة"، فهذه الرسالة مهيمنة على جميع الرسالات السابقة كما ورد ذلك في صريح القرآن {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه} (المائدة 48) {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا} (الأعراف 158) . وهكذا فهي رسالة عالمية عامة شاملة دائمة إلى يوم القيامة.

ثانيا: أن هذه الرسالة تتضمن شريعةً مخففةً وميسرة. وهذا يتضح من قول الله جلّ شأنه في سورة الأعراف {واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين. واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون. الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أُنزل معه أولئك هم المفلحون. قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السموات والأرض لا إله إلاّ هو يحي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون} (الأعراف: 155 - 158) .

وتحتاج هذه الآيات منا إلى تدبر عميق. فالسياق القرآني يذكر أن موسى عليه السلام سأل الله أن: {اكتب لنا في هذه الدنيا حسنة} ، والمناسب لمجمل السياق ولمقتضى الحال، أن تكون الحسنة الدنيوية التي سألها موسى عليه السلام لقومه شاملة لتخفيف أحكام الشريعة الموسوية التي كان منطلق بعض أحكامها ظلم الذين هادوا وتحريفهم {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} (النساء:160) فهي أحكام فيها إصرٌ وأغلال وشدة تناسب غلاظ الأكباد، قساة القلوب الذين قست قلوبهم {فهي كالحجارة أو أشد قسوة} (البقرة:74) . وجواب الخالق جل شأنه لعبده وكليمه يثني بشمول"الحسنة"في هذه الدنيا تخفيف الأحكام، وتيسير الشريعة، ورفع الإصر والأغلال ليحيى قومه الحياة الطيبة ويتمكنوا من طاعة الله تعالى1. ولكن الباري تبارك وتعالى أنبأ موسى بأن هذه الأمور مُدّخرةٌ لتكون خصائصَ للشريعة الشاملة العامة الكاملة القائمة على لطفه وعدله تعالى. وهو سبحانه وتعالى لا يورد بعد ذلك إجابةً مباشرة لهذا الطلب، لكنه يوحي بتجاوزه له بشكل غير مباشر في بقية السياق، وذلك عبر نقلةٍ بيانيةٍ تربطُ استحقاق قومٍ آخرين لما طلبه موسى عليه السلام، وهؤلاء الآخرون لهم صفاتهم المعيَّنة، ومنها أنهم {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي} ، وهو الرسول الذي {يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} . فالسياق هنا يوحي بنقلةٍ أساسية توضح خصائص الرسالة الخاتمة، فبعدما كانت الشرائع من قبلُ شرائعَ عُسرٍ وأغلال وتشديد، تأتي الشريعة القرآنية - شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - باليسر والتخفيف والرحمة. ليكون ختام السياق - بعد ذلك - توجيه النداء العالمي الذي يوضح أن هذه الرسالة ليست للعرب وحدهم، ولا للمسلمين وحدهم، ولا للمعاصرين وحدهم، وإنما هي رسالة للناس جميعا في كل زمان ومكان، وأنها وحدها القادرة على أن تكون شريعة العالمين.

مصادر الشريعة الإسلامية لهذه الرسالة الخاتمة مصدرٌ واحد منشئٌ هو القرآن الكريم، وأما السنة فهي مصدرٌ مُبيّنٌ للقرآن تدور معه حيث دار. وكلا المصدرين محفوظ، فأما القرآن فقد تكفل الله جلّ شأنه بحفظه بكامل حروفه، ولم يكل ذلك لأحد من الناس بمن فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم - {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} (الحجر:9) ، {ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل ربي زدني علما} (طه:114) ، {لا تحرك به لسانك لتعجل به، إن علينا جمعه وقرآنه، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} (القيامة:16 - 18) . هذا الكتاب الكريم هو المصدر الوحيد للهداية بكل أنواعها ولجميع البشرية في كل ظروفها وأماكنها وأزمنتها، لا يضيق عن شعب أو قوم، ولا يعجز عن استيعاب حضارة أو نسق حضاري باقٍ على هذه الأرض دون زوال منذ ذلك العهد وإلى يوم القيامة. وذلك بما اشتمل عليه من مؤشرات الهداية، وبما تضمَّنهُ من الكليّات والمقاصد والغايات التي تستوعب ظروف الحياة مهما اختلفت وتنوعت وتباينت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت