فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 119

إن المتأمل في تشريع الصوم، وفرضه يدرك تلك السمات الواسعة من اليسر والسماحة التي اتسم بها فرض الصوم في أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وذلك دليل بيِّنٌ على سماحة الإسلام، ويسر الأحكام فيه، ومن هذه السمات أن الصيام يأتي مرة واحدة في السنة مدة شهر قمري فقط، وأن مجيئه يأتي وفق حركة القمر الذي يتنقل في منازله على مدار السنة، فينشأ عن ذلك اختلاف أوقات مجيء شهر الصوم في فصول متنوعة من شتاء، وخريف، وصيف، وربيع فلم يكلف المسلمون بالصوم في حر لافح، وفي قيظ شديد، ولا في برد قارص، وشتاء كالح دائمًا في كل سنة، فلا يتمتعون بناء على ذلك بتغير الفصول، ولكن المسلمين -وهم يتمتعون بتغير الفصول- يدركون مدى اليسر والسماحة في تشريع الأحكام في دينهم الإسلامي العظيم.

والمسلم يمكنه أن يتصور مدى التيسير والسماحة، والرحمة بالمكلفين بالصيام في الإسلام إذا علم أن الصوم في أكثر الديانات القديمة مضبوط بالشهور الشمسية، وكان ذلك يحتاج إلى العلوم الرياضية والفلكية، وإلى وضع التقاويم، ونتج عن ذلك مجيء الصوم في وقت ثابت في فصول ثابتة لا تتغير، قال الرازي رحمه الله في تفسيره: «إن الله تعالى فرض صيام رمضان على اليهود والنصارى، أما اليهود فإنها تركت هذا الشهر، وصامت يومًا في السنة زعموا أنه يوم غرق فيه فرعون، وكذبوا في ذلك أيضًا لأن ذلك اليوم يوم عاشوراء على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أما النصارى فإنهم صاموا رمضان، فصادفوا فيه الحر الشديد فحولوه إلى وقت لا يتغير، ثم قالوا عند التحويل نزيد فيه فزادوا فيه، ثم بعد زمان اشتكى ملكهم فنذر سبعًا فزادوه، ثم جاء بعد ذلك ملك آخر فقال: ما بال هذه الثلاثة فأتمه خمسين يومًا وهذا معنى قوله تعالى: { (( (( (( (( (( (( أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ (( (( (( (( (( } [1] وهذا مروي عن الحسن» [2] .

(1) سورة التوبة (31) .

(2) تفسير الرازي (3/ 75) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت