ولا شك أن بعض الناس يسيئون إلى أنفسهم، وصحتهم حين يظنون أن الصيام هو تحويل لياليه إلى مناسبة يكدسون فيها ألوانًا من الطعام، ليملئوا بها البطون، ونسوا أن شهر رمضان المبارك هو شهر الاعتدال، والحمية، وفطام النفس عن مألوفاتها وهو تعويد لها على الفطام حتى في الأكل والشرب، فتكون لهم مواقيت لطعامهم عند الفطور وعند السحور، وأخرى لأعمالهم، وهلم جرا، ولا يليق بهم أن يتركوا الأمر للفوضى والمصادفات، فيأكلوا، ويشربوا بغير ميعاد، وبدون حساب، ففي ذلك فساد لصحة القلوب والأبدان، وإتلاف للمال، وضياع للمصالح، فينبغي على المسلم الصائم كما يقول أبو حامد الغزالي رحمه الله: «أن لا يستكثر من الطعام الحلال وقت الإفطار بحيث يمتلئ جوفه، فما من وعاء أبغض إلى الله عز وجل من بطن مُلئ من حلال، وكيف يستفاد من الصوم قهر عدو الله، وكسر الشهوة إذا تدارك الصائم عند فطره ما فاته ضحوة نهاره، وربما يزيد عليه في ألوان الطعام حتى استمرت العادات بأن تدخر جميع الأطعمة لرمضان، فيؤكل من الأطعمة فيه ما لا يؤكل في عدة أشهر، ومعلوم أن مقصود الصوم الخواء، وكسر الهوى لتقوى النفس على التقوى، وإذا دُفعتْ المعدة من ضحوة النهار إلى العشاء حتى هاجت شهوتها، وقويت رغبتها، ثم أُطعمت من اللذات، وأشبعت زادت لذتها، وتضاعفت قوتها، وانبعث من الشهوات ما عساها كانت راكدة لو تركت على عادتها، وروح الصوم وسره تضعيف القوى التي هي وسائل الشيطان في العود إلى الشرور ولن يحصل ذلك إلا بالتقليل وهو أن يأكل أكلته التي كان يأكلها كل ليلة لو لم يصم، فأما إذا جمع ما كان يأكل ضحوة إلى ما كان يأكل ليلًا فلم ينتفع بصومه» [1] .
9)دخول شهر رمضان وشهر شوال بعده لا يكون إلا بالرؤية:
(1) إحياء علوم الدين (278 - 279) .