إن الصوم الذي يخلو من روح التقوى والعفاف صورة مجردة عن الحقيقة، وجسم بلا روح، وهو صوم لا يرتفع به صاحبه إلا كما ترتفع الصخرة الثقيلة الملقاة على الأرض، وليس لصاحب هذا الصوم من صومه إلا التعب والجهد، مصداقًا لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه الدارمي في سننه: (كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، وكم من قائم ليس له من قيامه إلا السهر) [1] .
وأمثال هؤلاء كثير في مجتمع المسلمين، ولم يغفل علماء المسلمين، ومفكروه الذين كتبوا عن الصيام عن هذه الشريحة من المسلمين الذين يملئون بطونهم بالليل بشتى أنواع الأطعمة، ولا يعرفون من الصوم إلا اسمه أما حقيقته فهم عنها غافلون، وعن فضائله نائمون، فتأثير الصوم في أنفسهم غير موجود؛ لأن صومهم منافٍ للتقوى التي شرع من أجلها الصوم أساسًا ومخالف للأحاديث النبوية التي وصف بها أهلها.
وأمثال هؤلاء تجدهم سريعي الغضب لأدنى سبب شديدي الحمق، والسخط، وهم يعتقدون أن هذا أثر طبيعي للصوم فهم في نهار رمضان نائمون، وفي ليله لبطونهم مالئون، وبكل تافه معنيون لا يستيقظ أحدهم إلا قبيل المغرب أحمر العينين مقطب الجبين لا يجرؤ على مخاطبته أحد، أوامره قانون صارم، ورغباته فيما تشتهي بطنه من الطعام نافذة، ينتظر وقت الغروب، وعلبة الدخان أقرب إلى قلبه من كل حبيب؛ ليخرج منها سيجارة يفطر عليها، لعلها -حسب زعمه- تعدل دماغه الذي مال من الصوم، ولينقض بعد ذلك على ألوان الطعام المختلفة بِنَهَمٍ بالغ حتى إذا امتلأت بطنه وشعر بثقل جسمه، مد يديه إلى ما يتكئ عليه، ومدَّ رجليه، واستلقى على ظهره، وأخذ يغط في نومه، فلا عِشاء في جماعة، ولا تراويح حتى إذا استيقظ هب مسرعًا ليخرج إلى أصدقاء السهرة، والويل لمن يراجعه، أو يسأله وهو في طريقه إلى سهرته.
(1) سنن النسائي (3333) ، وسنن ابن ماجة (1690) .