قال لها: أنت حرقة؟ قالت: نعم فما تكرارك الاستفهام؟ إن الدنيا دار زوال، وإنها لا تدوم على حال. إنا كنا ملوك هذا المصر من قبلك، يجىء إلينا خراجه، ويطيعنا أهله زمان دولتنا. فلما أدبر الأمر وانقضى صاح بنا صائح الدهر، فصدع عصانا وشتت شملنا، وكذلك الدهر يا سعد! إنه ليس من قوم بسرور وجدة إلا والدهر معقبهم حسرة، وكررت بيتيها السابقين. فأكرمها سعد وأحسن جائزتها، فلما أرادت فراقه قالت له: لا أنصرف عنك حتى أحييك بتحية ملوكنا: لا جعل الله لك إلى لئيم حاجة، ولا زال لكريم عندك حاجة! ولا نزع من عبد صالح نعمة إلا جعلك سببا لردها عليه! فلما خرجت من عنده تلقاها نساء البلد، فقلن لها: ما صنع بك الأمير؟ قالت: حاط لى ذمتى، وأكرم وجهى! إنما يكرم الكريم الكريم.. انظر عقل هذه الأميرة السابقة وأدبها وحكمتها وكيف حاورت سعد بن أبى وقاص القائد الفاتح المنتصر، فنالت تقديره وإكرامه.. وددت لو أن المثقفات العربيات كن على هذا المستوى، فنلن إعجاب واحد من العشرة المبشرين بالجنة. إن المرأة تعظم بعملها الواسع وبيانها الحكيم وسيرتها الماجدة. الجاهلية العربية.. أشرف ! استكثر البعض أن أقول: إن الجاهلية العربية الأولى كانت أشرف من جاهليات اليونان والرومان، لاسيما في الوضع الاجتماعى للمرأة! ويبدو أن هذا الاستكثار يعود إلى سوء ظننا بأنفسنا وحاضرنا وماضينا بعد الهزائم الحضارية المهينة التى لحقت بنا في العصور الأخيرة وصدق المثل السائر: إن الدنيا إذا أقبلت على أحد أعارته محاسن غيره، واذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه . صحيح ان الإشراك بالله كان قاسما مشتركا بين هذه الجاهليات كلها"فهبل"الإله الكاذب عند العرب هو"أبولو"الإله الكاذب عند اليونان! وليس أحد الفريقين أولى بالتسفيه من الآخر! ص _013