يلتفت عمر وراءه، يقف حتى تبلغه السيدة التي تقول وهو مصغ مبتسم:"يا عمر عهدي بك وأنت تسمى"عُميرًا"تصارع الفتيان في سوق ( عكاظ ) ثم لم تذهب الأيام حتى سُميت ( عمر ) .. ثم لم تذهب الأيام حتى سميت"أمير المؤمنين"فاتَّقِ الله في الرعية، واعلم أن من خاف الموت خشي الفوت"!!
فقال لها:"الجارود العبدي": اجترأتِ على أمير المؤمنين . فجذبه عمر من يده، وهو يقول:
"دعها فانك لا تعرفها، هذه"خولة بنت حكيم"التي سمع الله قولهامن فوق سبع سماواته وهي تجادل الرسول في زوجها وتشتكي إلى الله فعمر والله أحرى أن يسمع كلامها!"
-رأى عمر عجوزًا تحمل حملًا ثقيلًا، تقَّدم منها وحمله عنها بعض الطريق، وصار يضحك من نفسه حين يسمعها تقول شاكرة: أثابكَ الله الخير يابني، إنك لأحقُّ بالخلافة من عمر ؟!!
-لاحظ عمر أن عذاب طغاة مكة يقع علىضعاف المسلمين فقط، وهنا أراد أن يرفع من شأن هذا العذاب بأن يشاركهم فيه حتى يغمرهم شعور أن عمر الجسور العملاق يُضرب كما يضربون، ويُضطهد كما يضطهدون حتى لا يظل اضطهاد قريش وقفًا على بلال، وجناب، وعمار، وصهيب و إخوانهم من الفقراء المستضعفين ،وبهذ لا يصير ضربهم وتعذيبهم ذلة تكسر نفوسهم، وبهذا أيضًا يتم لعمر إسلامه، وتحقق له المساواة مع المسلمين الذين يدفعون ثمن إيمانهم بالله .
جوانب متألقة
ومثلما كان عمر متميزًا بكثير من المواقف المجيدة من مختلف جوانب الحياة فقد تميز خاصة بالتشريع والقضاء بأنه رائد، على سبيل المثال"يكتب لأبي موسى الأشعري موضحًا له منهج القضاء الذي ينبغي أن ينتهجه فيقول له: ( أما بعد فإن القضاء فريضة بحكمة وسُنَة متبعة فأفهم إذا أدلي إليك، وانفذ إذا تبيّن لك، فأنه لا ينفع حق لا نفاذ له، آسِ بين الناس في مجلسك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف في عدلك، البينة على من أدعى واليمين على من أنكر، الصلح جائز بين المسلمين إلاّ صلحًا أحل حرامًا أو حرّم حلالًا ..مراجعة الحق خيرٌ من التمادي في الباطل ..."
والرسالة طويلة وتعتبر بحق مرجعًا لكثير من قضايا لتشريع .
كما تميز بالتوجيهات العسكرية الفذّة حين يكتب لسعد قائلًا:"إذا وطئت أدنى أرض العدو فاذكُ العيون بينك وبينهم حتى لا يخفى عليك أمرهم، واختر لهذا من تطمئن إلى نصحه وصدقه فإن الكذوب لا ينفعك خبره وإن صدق في بعضه، وهو عين عليك وليس عينًا لك"