يوضِّحه؛ أن المسلم ينشأ بيننا وهو لا يُشاهد إلاَّ هذه المظاهر المؤلمة، والصور المأساوية التي تُحَاكُ ضد المسلمين، فأنَّى له بعد هذا أن يلتمس عزةً في دينه، أو يرجو شموخًا في أبناء جلدته !، يوم فطمتُموه على الذلَّة والتشريد؛ فتارةً تُظْهِرون المسلمَ أمَامَه وهو يُداسُ تحت أقدام الغاصبين، وتارةً وهو يُقتلُ صَبرًا بأيدي الكافرين، وأخرى وهو يسقطُ صريع الجوع، ومرةً وهو يَجْمدُ تحت ثلوجِ الرُّوس ... وغير ذلك من منظومة الهَوَانِ، والذِّلةِ، والتَّشريدِ، والقتل ...!!.
فهذا في حدِّ ذاته مصيبةٌ ما بعدها مصيبة؛ يوم أنكم لم تكتفوا بتصوير القتلى من المسلمين؛ بل قتلتم ما كان منهم حيًا بما تَعرضُونه له ما بين الحين والحين من الصورِ التي ينخلعُ لها قلبُ كلِّ إنسان ! . في حين كان يكفيكم من نقل الأخبار أن تقتصروا على ما يحصل به الخبر دون توسُّعٍ في مجريات الأحداث وبثِّ الصور، ما دمتم ثقاتٍ في أخباركم، وأنتم كذلك ! .
علمًا أنَّ التوسعَ في نقل الأخبار قد يصلح لأفرادِ الأمة، وأحادِها من العلماءِ، وصنَّاعِ القرار من القادةِ والمجاهدين، أمَّا أن تُعرضَ الصور، وتُفصَّلَ الأخبار لكافَّةِ المسلمين لا سيما مع انتشار الجهل بينهم، وكذا اليأس عند بعضهم؛ فحينئذٍ نقول لكم: لا !؛ بل كان من الواجب عليكم أن تَراعوا الحكمة في مخاطبة عموم المسلمين بما يفقهون، كما قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -:"حدِّثوا النَّاسَ بما يَعرِفون، أتُريدون أن يُكذَّب اللهُ ورسولُه"البخاري (1) .
الرَّابعُ: إنَّ الإغراق في نقل الأخبار تغيبٌ وبُعدٌ عن الهدف الشرعي الذي هو الأصل من نقل الأخبار، فنقلُ الأخبار ما هي إلاَّ وسيلةٌ محمودةٌ إلى غايةٍ منشودةٍ وهي البحث عن الحلِّ الشرعي .
(1) ـ أخرجه البخاري (127) .