وقال المفسر ابن عاشور - رحمه الله - عند كلامه على هذه الآية:"هذه الآية أصل عظيم من أصول الأخلاق الإسلامية"وعلل ذلك بأنها تشتمل في أولها على النهي عن الموت على غير الإسلام ، بما يستوجب النهي عن مفارقة الإسلام طول الحياة ، وأنها تشتمل كذلك على الأمر الشرعي بالاعتصام وعدم التفرق بما يستوجب الأخذ بأسباب ذلك وقال - رحمه الله -:"أمرهم بما فيه صلاح حالهم في دنياهم ، وذلك بالاجتماع على هذا الدين وعدم التفرق ليكتسبوا باتحادهم قوة ونماءً"5 فأين هذا من قول من يقول: إن الفرقة قدر غالب ، وضربة لازب ؟! إن الأمر بالاجتماع هو أمر بمسبباته من الأوامر الشرعية ، كما أن النهي عن الفُرقة هو نهي عن مسبباتها من المناهي الشرعية ، ولذلك قال العلامة أبو السعود في تفسير الآية نفسها: [ وَلاَ تَفَرَّقُوا ] ( آل عمران: 103 ) :"لا تُحدِثوا ما يوجب التفرق ويزيل الألفة"6 .
وما يوجب التفرق ويزيل الألفة ، نعرفه جميعًا في كثير من المجالس والمنتديات ، وفي أكثر المجادلات والحوارات الخالية من أدب الحوار الإسلامي ، وإذا كان بذل الأسباب لتقوية أواصر الأخوة بين المسلمين واجبًا شرعيًا ، فإن مع ذلك الواجب واجبًا آخر أوجب ، وهو أن يكون هذا الإخاء مبنيًا على الالتفاف حول ثوابت هذا الدين ومحكماته .
والدعوة إلى وحدة العمل الإسلامي هنا ليست دعوة إلى تأليف القلوب على مفهوم مقلوب ، أو منهج مبتدع ، أو اعوجاج ظاهر عن الأصول الثابتة ؛ ولكنها دعوة إلى التآلف على الهدى المحكم ، والثوابت المجمع عليها7 ؛ وهذه مساحتها أكبر بكثير من مساحة المسائل المختلف فيها .
وأكثر ما تعج به الساحة الإسلامية من خلافات واختلافات ، إنما هو في مسائل قد تختلف فيها الأنظار ويسوغ فيها الاختلاف .