الإخاء روح يسري ، وفقه يُشاع ، وثقافة تنتشر ، وعلى العكس تمامًا ، فإن الجفاء له روحه وفكره وثقافته ، ولكل من روح الإخاء والجفاء أهل ، ولكل منهما أنصار ورموز ومنظِّرون ومندوبون ، مسوِّقون وموزِّعون .
وبقدر ما تُخدم قضايا الإصلاح يجيء الإصلاح ، وبقدر ما تخدم جهود الفرقة ، تعم الفرقة ، وفي أوضاعنا المعاصرة ، عندي ما يشبه اليقين ، بأن الجهود التي تبذل من أجل الوفاق والائتلاف ، لا تبلغ عشر معشار ما بذل ولا يزال يبذل من جهود الشقاق والاختلاف ، وإذا كان قد فرط من أمرنا في ذلك ما فرط ، مما لا يرضي الله سبحانه ولا رسوله صلى الله عليه وسلم ، فلا أقل من المسارعة الآن إلى تدارك ما فُرط فيه ؛ قبل أن ينفرط ما تبقى من عقودنا وعهودنا ، ويسقط ما تبقى من شعاراتنا ومشاريعنا ؛ فالظرف قاهر ، والأزمات محكمة ، والعدو من كل صنف أصبحوا كصف واحد برأي واحد في تحدٍ سافر ، وعناد خطير ، هم فيه أولياء متناصرون ، وحلفاء متعاضدون: [ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ] ( الأنفال: 73 ) .
نعم ! فساد كبير ، أن يتحد أعداؤنا ونتفرق ، وفساد كبير أن يتعاونوا على الإثم والعدوان ولا نتعاون على البر والتقوى ، وفساد كبير أن يكونوا على أفجر قلب رجل واحد منهم ، ولا نكون على أتقى قلب رجل واحد منا .
هل بقي هناك متسع للتردد في أهمية وإمكانية ، بل فرضية الانتداب للإصلاح ؟!