نأتي الآن إلى قضية البدائل في عالم الفتوى، يجيء السؤال وتأتي الفتوى، والسائل يقول هات البديل يا شيخ، تقديم الإفتاء بالبديل المباح عن الإفتاء بمجرد المنع أحكم ولا شك، إذا كان المفتي عنده بديل يعرفه فليرشد المستفتي إليه، يأتيك شخصٌ مثلًا ويقول: ما حكم أن أذهب إلى البنك وآخذ منهم كذا معادن، وأشياء ويضعون لي في حسابي مبلغ وأسدد بزيادة على أقساط، أفتت المجامع الفقهية بتحريم التورق المنظم، وهذه عملية صورية لا فيها رؤية السلعة، ولا معاينة السلعة، ولا استلام السلعة، ولا هي في حوزة البنك، ولا إثبات أنها في حوزة البنك، فيقول الشيخ، اشتري منهم سلعة يملكونها أرضًا أو سيارة أسهمًا يملكونها، أسهمًا مباحة يملكها البنك، اشتريها منهم بالأقساط، ثم أذهب أنت وبعها بنفسك، ثم خذ الفلوس وانتفع بها وسدد لهم بعد ذلك على أقساط، فإذا وجد المفتي مخرجًا يرشده إلى المخرج، ومن فقه المفتي إذا أفتى بتحريم شيء أن يبين البديل إذا علمه رفقًا بالمستفتي وتيسيرًا عليه، وليس معنى هذا أن الفتوى لا تصح إلا بتبيين البديل، قد يكون البديل غائبًا عن بال المفتي، وقد لا يعرف المفتي البديل، فهي من جهة الفتوى لا يجوز وإذا أتبعه بالدليل أحسن، هذا الأصل، لكن لو أدرج البديل في فتواه وألحقه وأضافه، كان أحسن وأفضل، وأثبت للناس، قال ابن القيم رحمه الله (( من فقه المفتي ونصحه إذا سأله المستفتي عن شيء فمنعه منه وكان حاجته تدعو إليه أن يدله على ما هو عوض له منه، فيسد عليه باب المحظور، ويفتح له باب المباح، وهذا لا يتأتى إلا من عالم ناصح مشفق، قد تاجر الله وعامله بعلمه، فمثاله في العلماء مثال الطبيب العالم الناصح في الأطباء، يحمي العليل عما يضره، ويصف له ما ينفعه، فهذا شأن أطباء الأديان والأبدان) إعلام الموقعين (4/ 159) .
جاء رجل إلى ابن عباس رضي الله عنهما فقال (إني رجل أصور هذه الصور فأفتني فيها، قال أُدنُ مني، فدنا منه، ثم قال أُدنُ مني، فدنا حتى وضع يده على رأسه، قال أنبئك بما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( كل مصور في النار، يُجعل له بكل صورة صورها نفسًا فتعذبه في جهنم، فربى الرجل ربوة شديدة وأصفر لونه، فقال له عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ويحك، إن أبيت إلا أن تصنع، فعليك بهذا الشجر، كل شيء ليس فيه روح) البخاري (2225) ومسلم (2110) . قال ابن القيم رحمه الله (وهذا شأن الرسل وورثتهم من بعدهم، ورأيت شيخنا قدس الله روحه الله يتحرى ذلك في فتاويه مهما أمكنه، ومن تأول فتاويه وجد ذلك ظاهرًا منها، وقد منع النبي صلى الله عليه وسلم بلالًا أن يشتري صاعًا من التمر الجيد بصاعين من الرديء، ثم دله على الطريق المباح، فقال: بع الجمع بالدراهم، ثم اشتري بالدراهم جنيبًا فمنعه من الطريق الحرام، وأرشده إلى الطريق المباح) إعلام الموقعين (4/ 159) .
بدائل الحرام من الكثرة والوفرة بحيث أنه لا يستطاع حتى استيعابها والإحاطة بها، ولكن توفرها فيه مجال للمفتي أن يختار الأنسب منها للمستفتي ويدله عليها، ولذلك قال العلماء: في الحلال ما يغني عن الحرام، قال شيخ الإسلام: (الدين هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا قوام لأحدهما إلا بصاحبه، فلا ينهى عن منكر إلا ويأمر بمعروف يغني عنه، والنفوس خُلقت لتعمل، لا لتترك، وإنما الترك مقصود لغيره، فإن لم يشتغل بعمل صالح وإلا لم تترك العمل السيئ أو الناقص) اقتضاء الصراط (1/ 297) ، إذًا قضية البدائل هي أعمال ولما يأتي شخص للمفتي يقول ما حكم كذا؟ فيقول له: هذا محرم اتركه، طيب، إذا تركته ما هو البديل؟ لأن النفوس ما خلقت لتترك، خلقت لتعمل، فإذا قلت