فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 19

أترك أترك، فيناسب أن تقول اعمل اعمل، طيب، هل يجوز للمفتي أن يتدرج مع المستفتي لإخراجه من المعصية؟ وهل دلالة المستفتي على صغيرة بدل كبيرة يجوز شرعًا؟ طبعًا، الدلالة التي هي بمعنى إباحة هذه الصغيرة للمستفتي حرام، لا يمكن أن المستفتي يسأل عن كبيرة فيجيء المفتي ويقول له: لا، هذه حرام، لكن خذ هذه الصغيرة.

مثل هذا الغبي الذي أفتى بأن تقبيل النساء الأجنبيات بديلٌ عن الزنا، والذي يقول أذهب وشاهد أفلام لكن لا تزني، فَوُجِدَ من التهاويل في هذا الجانب عجب.

هل من الممكن أن يبين المفتي مراتب المعصية للمستفتي؟ فيقول: هذا أقل شرًا من هذا، سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن الاستمناء فقال: (نكاح الأمة خير منه، وهو خير من الزنا) سنن البيهقى (2/ 483) برقم (14512) ومصنف عبد الرزاق (7/ 390) ، فهو يبين أن هذا الاستمناء خير من الزنا، لا أنه مباح، لأنه ورد في الأسلوب العربي، أو حتى في القرآن أن هذا خيرٌ من هذا وكلاهما محرم، لكن هذا أقل شرًا وإثمًا وضررًا، وإلا كلها ضارة وفيها إثم، حتى لو أن المكلف نازعته نفسه وأصرَّ أن يفعل هذه أو هذه يعرف أن هذه صغيرة، وهذه كبيرة، اترك المستفتي والمكلف يفرق بين الصغائر والكبائر لكن لا بد أن يفهم أنها كلها محرمة، ولا يجوز للمفتي أن يدله على الصغيرة بمعنى أنه يجوز لك تفعلها، لا، ولكن ليقل هذه أسوأ، وهذه أقل إثمًا، لأن التعريف بمراتب المعاصي مفيد للمكلف، حتى لو أراد أن يعصي، وروى أبو نعيم في الحلية،.

(أن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز دخل على أبيه -وعبد الملك متحمس وهو ولد صالح- يا أمير المؤمنين: ما منعك أن تمضي لما تريد من العدل، فو الله ما كنت أبالي لو غلت بي وبك القدور في ذلك -يقول لأبيه هناك أشياء في الواقع خطأ، أنت ما غيرت كل شيء، غيِّر القرارات دفعة واحدة، حتى لو غلت بي وبك القدور- فقال له يا بني: إن قومك -من قبلي من الولاة- قد شدوا هذا الأمر عقدة عقدة، وعروة عروة، ومتى ما أريد مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم لم آمن أن يفتقوا عليَّ فتقًا تكثر فيه الدماء، أو ما ترضى أن لا يأتيَ على أبيك يومٌ من أيام الدنيا إلا وهو يميت فيه بدعة، ويُحْيِي فيه سنة، حتى يحكم الله بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الحاكمين) حلية الأولياء (5/ 354) .

يعني أنا ما استطيع التغيير الكلي في ليلة أغير كل المنكرات، وهذه أشياء تأسست من عشرات السنين ودرج عليها الناس، وكَبُرَ عليها الصغير، وفَنِيَ عليها الكبير، وهاجر عليها الأعرابي وشبَّ عليها الناس، وشابوا لا استطيع أغيرها بين يوم وليلة، يكفيني أني كل يوم أميت بدعة وأحيي سنة، وآمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، أنا لا أتوقف، نموت ويموتوا حتى يحكم الله بيننا، وفي رواية أنه قال له: (لا تعجل يا بني فإن الله ذم الخمر في القرآن مرتين وحرمها في الثالثة، وأنا أخاف أن أحمل الناس على الحق جملة، فيدفعونه جملة، ويكون من ذلك فتنة) حلية الأولياء (5/ 354) . أخاف أن أحملهم على الحق جملة، فينفروا عنه كله، فأنا آخذهم بالتدريج، وهكذا عمليات الإصلاح، في الواقع الفاسد الذي تَعَتَّقَ الفساد فيه وتخمَّر، لا يكون بين يوم وليلة، فيكون التدرج من باب لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، لا يستطيع إلا هذا، لو أنه يستطيع بقدرته لمحاها في ليلة، وينبغي للمفتي في باب البدائل أن لا يجنح بالناس إلى انحلال ينقض العرى ويهتك المحرمات، والتيسير لا مدخل له في تصيد الرخص، وتتبع الحيل المحرمة لإيجاد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت