وقد ذكر المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآيات آثارا منها: أن إبراهيم - عليه السلام - حين جىء به إلى النار ، قالت الملائكة: يا ربنا ما في الأرض أحد يعبدك سوى إبراهيم ، وأنه الآين يحرف فأذن لنا في نصرته!!
فقال - سبحانه -: إن استغاث بأحد منكم فلينصره ، وإن لم يدع غيرى فأنا أعلم به ، وأنا وليه ، فخلوا بينى وبينه ، فهو خليلى ليس لى خليل غيره .
فأتى جبريل - عليه السلام - إلى إبراهيم ، فقال له: ألك حاجة؟ فقال إبراهيم: أما إليك فلا ، وأما إلى الله فنعم!!
فقال له جبريل: فلم لا تسأله؟ فقال إبراهيم - عليه السلام -: حسبى من سؤالى علمه بحالى .
ثم بين - سبحانه - نعما أخرى أنعم بها على إبراهيم فقال: { وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ } .
والضمير في قوله: { وَنَجَّيْنَاهُ } يعود إلى إبراهيم . و"لوطا"هو ابن أخيه ، وقيل: ابن عمه .
والمراد بالأرض التى باركنا فيها: أرض الشام على الصحيح وعدَّى { نَجَّيْنَاهُ } بإلى ، لتضمينه معنى أخرجناه .
أى: وأخرجناه ولوطا إلى الأرض التى باركنا فيها ، بأن جعلناها مهبطا للوحى ، ومبعثا للرسل لمدة طويلة ، وبأن جعلناها كذلك عامرة بالخيرات وبالأموال وبالثمرات للأجيال المتعاقبة .
والآية الكريمة تشير إلى هجرة إبراهيم ومعه لوط - عليهما السلام - من أرض العراق التى كانا يقيما فيها ، إلى أرض الشام ، فرارا بدينهما ، بعد أن أراد قوم إبراهيم أن يحرقوه بالنار ، فأبطل الله - تعالى - كيدهم ومكرهم ، ونجاه من شرهم .
وقال الطاهر بن عاشور (1) :
أعقبت قصة موسى وهارون بقصة إبراهيم فيما أوحي إليه من مقاومة الشرك ووضوح الحجة على بطلانه ، لأن إبراهيم كان هو المَثَل الأول قبل مجيء الإسلام في مقاومة الشرك إذ قاومه بالحجة وبالقوة وبإعلان التوحيد إذْ أقام للتوحيد هيكلًا بمكة هو الكعبة وبجَبل ( نابو ) من بلاد الكنعانيين حيث كانت مدينةٌ تسمى يومئذ ( لوزا ) ثم بنى بيت ايل بالقرب من موضع مدينة ( أورشليم ) في المكان الذي أقيم به هيكل سليمان من بعد ، فكانت قصة إبراهيم مع قومه شاهدًا على بطلان الشرك الذي كان مماثلًا لحال المشركين بمكة الذين جاء محمد صلى الله عليه وسلم لقطع دابره . وفي ذكر قصة إبراهيم تورك على المشركين من أهل مكة إذ كانوا على الحالة التي نعاها جدُّهم إبراهيم على قومه ، وكفى بذلك حجة عليهم . وأيضًا فإن شريعة إبراهيم أشهر شريعة بعد شريعة موسى .
وتأكيد الخبر عنه بلام القَسم للوجه الذي بيناه آنفًا في تأكيد الخبر عن موسى وهارون ، وهو تنزيل العرب في مخالفتهم لشريعة أبيهم إبراهيم منزلة المنكر لكون إبراهيم أوتي رشدًا وهديًا .
وكذلك الإخبار عن إيتاء الرشد إبراهيم بإسناد الإيتاء إلى ضمير الجلالة لمثل ما قرّر في قصة موسى وهارون للتنبيه على تفخيم ذلك الرشد الذي أوتيه .
والرشد: الهدى والرأي الحق ، وضده الغي ، وتقدم في قوله تعالى: { قد تبين الرشد من الغي } في [ سورة البقرة: 256 ] . وإضافة { الرشد } إلى ضمير إبراهيم من إضافة المصدر إلى مفعوله ، أي الرشد الذي أرْشِده . وفائدة الإضافة هنا التنبيه على عظم شأن هذا الرشد ، أي رشدًا يليق به؛ ولأن رشد إبراهيم قد كان مضرب الأمثال بين العرب وغيرهم ، أي هو الذي علمتم سمعته التي طبقت الخَافقين فما ظنكم برشد أوتيه من جانب الله تعالى ، فإن الإضافة لما كانت على معنى اللام كانت مفيدة للاختصاص فكأنه انفرد به . وفيه إيماء إلى أن إبراهيم كان قد انفرد بالهدى بين قومه .
وزاده تنويهًا وتفخيمًا تذييله بالجملة المعترضة قوله تعالى: { وكنا به عالمين } أي آتيناه رشدًا عظيمًا على عِلم منا بإبراهيم ، أي بكونه أهلًا لذلك الرشد ، وهذا العلم الإلهي متعلق بالنفسية العظيمة التي كان بها محل ثناء الله تعالى عليه في مواضع كثيرة من قرآنه ، أي علم من سريرته صفات قد رَضيها وأحمدَهَا فاستأهل بها اتخاذه خليلًا . وهذا كقوله تعالى: { ولقد اخترناهم على علم على العالمين } [ الدخان: 32 ] وقوله تعالى: { الله أعلم حيث يجعل رسالاته } [ الأنعام: 124 ] .
وقوله { من قبل } أي من قبل أن نوتي موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرًا . ووجه ذكر هذه القبلية التنبيه على أنه ما وقع إيتاء الذكر موسى وهارون إلا لأن شريعتهما لم تزل معروفة مدروسة .
و { إذ قال } ظرف لفِعل { آتينَا } أي كان إيتاؤه الرشد حينَ قال لأبيه وقومه: { ما هذه التماثيل } الخ ، فذلك هو الرشد الذي أوتيه ، أي حينَ نزول الوحي إليه بالدَعوة إلى توحيد الله تعالى ، فذلك أول ما بُدىء به من الوحي .
(1) - التحرير والتنوير - (ج 9 / ص 174)