فهرس الكتاب

الصفحة 161 من 1236

قال الآلوسى - رحمه الله - بعد أن ساق أقوال العلماء في ذلك بالتفصيل:"والذى أميل إليه أنه - أى الذبيح - إسماعيل - عليه السلام - ، بناء على أن ظاهر الآية يقتضيه ، وأنه المروى عن كثير من أئمة أهل البيت ، ولم أتيقن صحة حديث مرفوع يقتضى خلاف ذلك ، وحال أهل الكتاب لا يخفى على ذوى الألباب".

هذه بعض الأحكام والآداب التى يمكن أن نأخذها من هذه القصة ، التى حكاها - سبحانه - عن نبيه إبراهيم - عليه السلام - في هذه السورة الكريمة ، وهناك أحكام وآداب أخرى يستطيع أن يستخلصها المتدبر في هذه الآيات الكريمة .

وقال الطاهر بن عاشور (1) :

التعبير عن الذبح بالموصول وهو { ما تُؤمَرُ } دون أن يقول: اذْبَحني ، يفيد وحده إيماء إلى السبب الذي جَعل جوابه امتثالًا لذبحه . وحُذف المتعلق بفعل { تُؤمرُ } لظهور تقديره: أي ما تؤمر به . وبقي الفعل كأنه من الأفعال المتعدية ، وهذا الحذف يسمى بالحذف والإِيصال ، كقول عمرو بن معد يكرب:

أمرتك الخيرَ فافعل ما أمرتَ به ... فقد تركتُكَ ذا مال وذا نشَب

وصيغة الأمر في قوله: { افْعَلْ } مستعملة في الإِذن . وعدل عن أن يقال: اذبحني ، إلى { افعل ما تؤمرُ } للجمع بين الإِذن وتعليله ، أي أذنت لك أن تذبحني لأن الله أمرك بذلك ، ففيه تصديق أبيه وامتثال أمر الله فيه .

وجملة { ستَجِدُني } هي الجواب لأن الجمل التي قبلها تمهيد للجواب كما علمت فإنه بعد أن حثّه على فعل ما أُمر به وَعَده بالامتثال له وبأنه لا يجزع ولا يهلع بل يكون صابرًا ، وفي ذلك تخفيف من عبْء ما عسى أن يعرض لأبيه من الحزن لكونه يعامل ولده بما يكره . وهذا وعد قد وفّى به حين أمكن أباه من رقبته ، وهو الوعد الذي شكره الله عليه في الآية الأخرى في قوله: { واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد } [ مريم: 54 ] ، وقد قرن وعده ب { إن شاء الله } استعانةً على تحقيقه .

وفي قوله: { مِنَ الصابِرينَ } من المبالغة في اتصافه بالصبر ما ليس في الوصف: بصابر ، لأنه يفيد أنه سيجده في عِداد الذين اشتهروا بالصبر وعرفوا به ، ألاَ ترى أن موسى عليه السلام لما وعد الخضر قال: { ستجدني إن شاء الله صابِرًا } [ الكهف: 69 ] لأنه حُمل على التصبر إجابة لمقترح الخضر .

{ أسْلَمَا } استسلما . يقال: سلَّم واستسلم وأسلم بمعنى: انقاد وخضع ، وحذف المتعلِّق لظهوره من السياق ، أي أسلما لأمر الله فاستسلام إبراهيم بالتهيُّؤ لذبح ابنه ، واستسلام الغلام بطاعة أبيه فيما بلغه عن ربه .

و { تلّه } : صرعه على الأرض ، وهو فعل مشتق من اسم التلّ وهو الصبرة من التراب كالكُدْية ، وأما قوله في حديث الشُّرْب «فتلّه في يده» أي القَدح ، فذلك على تشبيه شدة التمكين كأنه ألقاه في يده .

واللام في { لِلجَبِينِ } بمعنى ( على ) كقوله: { يخرون للأذقان سجدًا } [ الإسراء: 107 ] ، وقوله تعالى: { دعانا لجنبه } [ يونس: 12 ] ، ومعناها أن مدخولها هو أسفل جزء من صاحبه .

والجبين: أحد جانبي الجبهة ، وللجبهة جبينان ، وليس الجبين هو الجبهة ولهذا خَطَّأوُا المتنبي في قوله:

وَخَلِّ زِيًّا لمن يُحقِّقه ... ما كُل دَاممٍ جبينُه عَابِدْ

وتبع المتنبيَ إطلاقُ العامة وهو خطأ ، وقد نبه على ذلك ابن قتيبة في «أدب الكتاب» ولم يتعقبه ابن السيِّد البطليوسي في «الاقتضاب» ولكن الحريري لم يعدّه في «أوهام الخواصّ» فلعله أن يكون غفل عنه ، وذكر مرتضَى في «تاج العروس» عن شيخه تصحيح إطلاق الجبين على الجبهة مجازًا بعلاقة المجاورة ، وأنشد قول زهير:

يَقيني بالجبين ومنكبيه ... وأدْفعه بمُطَّرد الكعوب

وزعم أن شارح ديوان زهير ذكر ذلك . وهذا لا يصح استعماله إلا عند قيام القرينة لأن المجاز إذا لم يكثر لا يستحق أن يعد في معاني الكلمة على أنا لا نسلم أن زهيرًا أراد من الجبين الجبهة . ولم يذكر هذا في الأساس .

والمعنى: أنه ألقاه على الأرض على جانب بحيث يباشر جبينه الأرض من شدة الاتصال . ومناداة الله إبراهيم بطريق الوحي بإرسال الملك ، أسندت المناداة إلى الله تعالى لأنه الآمر بها .

وتصديق الرؤيا: تحقيقها في الخارج بأن يعمل صورة العمل الذي رآه يقال: رؤيا صادقة ، إذا حصل بَعدها في الواقع ما يماثل صورةَ ما رآه الرائي قال الله تعالى: { لقد صدق اللَّه رسوله الرؤيا بالحق } [ الفتح: 27 ] . وفي حديث عائشة: «أول ما بُدِىءَ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة ، فكان لا يرى رؤيًا إلا جاءت مثل فَلَق الصبح» . وبضد ذلك يقال: كذبتْ الرؤيا ، إذا حصل خلاف ما رأى . وفي الحديث:"إذا اقترب الزمان لم تكد تَكذب رؤيا المؤمن"، فمعنى { قد صدَّقْتَ الرؤيا } قد فعلتَ مثل صورة ما رأيت في النوم أنك تفعله . وهذا ثناء من الله تعالى على إبراهيم بمبادرته لامتثال الأمر ولم يتأخر ولا سأل من الله نسخ ذلك .

(1) - التحرير والتنوير - (ج 12 / ص 142)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت